الاثنين، 9 أبريل 2012

السعودية..وأسباب عودة الخوارج «2-3»



في الحلقة السابقة أشرت إلى أن الخطاب الديني السعودي المسيس أشعل الشارع على مرأى ومسمع الجميع وذلك بوجود مؤامرة عالمية كبرى تستهدف المنطقة برمتها تقودها أمريكا من خلال توريط (صدام حسين) ونظامه البعثي في غزو (الكويت) وذلك من أجل الوصول إلى منابع النفط، والبقاء في الأراضي السعودية بشكل دائم للهيمنة على المنطقة بكاملها ، فقد كانت أبرز طروحات هذا التيار الذي أستخدم المنابر والكتب والمحاضرات الدينية المباشرة والمسجلة على أشرطة الكاسيت للتسويق لقناعاته المطلقة بالمؤامرة مستشهداً بأن التدريب للقوات الأمريكية في صحراء (لاس فيغاس ـ نيفادا) في عام (1982م) كان الهدف منه استعداداً لعمليات عسكرية حقيقية بذات مواصفات بيئة صحراء (لاس فيغاس)،وان رد السفيرة الأمريكية في العراق (أبريل غلاسبي) بأن الإدارة الأمريكية لن تتدخل في الخلافات العربية - العربية وغير ذلك من قصص وإستشهادات كانت تروج في الشارع السعودي كان لها أثر كبير في ذهنية الجماهير السعودية أكثر بكثير من أي خطاب رسمي حكومي،كما أن الإعلام السعودي الرسمي لم يكن حيوياً في التحول من جموده والتفاعل بشكل أفضل بمخاطبة الرأي العام بالتفسير والشرح برسائل إعلامية أكثر احترام لذهنية المواطنين المتابعين بنهم وشغف للإذاعات الدولية الناطقة باللغة العربية لينقسم الرأي العام السعودي تجاه سلامة وصحة قرار الحكومة باستدعاء قوات التحالف الدولي على أراضيها خصوصاً بين شريحة الشباب المتحمسين والمتعطشين للإشباع الفكري والتوجيه والرعاية وضبط ما في دواخلهم من صراعات في أين يكمن الحق ومع من؟ نعم من هنا بدأ التحول الفكري في موقف العديد من جماعات الشباب المتدين وطالبي العلم ،وكذلك المجاهدين السعوديين العائدين من أفغانستان في رؤيتهم وموقفهم من الدولة وقرارها، كما أطلق لأول مرة بعض المشايخ الذين لهم أتباع البعيدين عن محيط هيئة كبار العلماء فتاوى ومواقف مفسرة ضد الدولة وقرارها معتبرين أنفسهم غير ملزمين بإجتهادات الآخرين من العلماء الذين وصفوهم بأنهم علماء السلاطين. كل ذلك كان يحدث على الساحة الاجتماعية والفكرية الدينية السعودية في غياب أي دور رسمي لضبط إيقاع هذه التحولات الجسيمة والحد من توظيف الآخرين للظروف واستغلالهم لها لتحقيق أهداف ومشاريع خاصة بهم .

كما جاءت إذاعتا (مكة المكرمة) و(المدينة المنورة) التي تبث من (بغداد) كنوع من الحرب النفسية تحرض الشعب السعودي ضد الحكومة وتتحدث عن احتلال أمريكي للسعودية ،وكذلك إعلام بعض الدول المحيطة بالمملكة أو ما يسمى بدول الضد ـ حسب التصنيف الكويتي - لتحرض الشارع السعودي وتحثه من زاوية عقيدته الدينية وتمسكه بها والحفاظ عليها ، فمثلاً شاعت روايات لا أساس لها من الصحة: أن المجندات الأمريكيات يحرسن الحرم المكي والمدني وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم ..وان هؤلاء الجنود يعيثون بالأرض المقدسة فساداً..وأن هناك احتفالات وصلوات دينية بمناسبة رأس السنة الميلادية وشرب للمسكرات ورقص على الأراضي السعودية .. وغيرها من القصص والروايات التي هيجت المشاعر وأججتها لدى الشباب الملتزم والمتدين من أبناء المجتمع السعودي بطبيعة الحال.
كما جاءت ضبابية موقف هيئة كبار العلماء، وانقسام بعض العلماء السعوديين حيال الموافقة وجواز الاستعانة بالآخر من غير المسلمين لقتال الجار المسلم أزمة حادة داخلية لدى الشارع السعودي.

كما وحد التيار الديني المتحفز بطبيعة الظروف قيام مجموعة من النساء المتعلمات والدارسات في الخارج من السعوديات بقيادة السيارة في مدينة (الرياض) فالتيار الديني على كافة مستوياته لم يقبل ما حدث وشعر بخوف وتهديد مباشر لوجوده ومكتسباته وان هناك انقلاباً جذرياً عليه يتطلب الوقوف بحزم قوي واستعداد للمتغير المجهول القادم.

إن الكاتب من باب الموضوعية والدقة لسلامة القراءة والمراجعة يتحفظ على طرح العديد من الأساتذة الباحثين والمراقبين المهتمين السعوديين والقادة الأمنيين القائمين على ملف الإرهاب وتنظيم القاعدة السعودي حيال تهميش انعكاسات غزو العراق للكويت ، فالتحول الجذري والصدام في المواقف بين المجاهدين العائدين من أفغانستان والحكومة السعودية ومن ثم إطلاق شرارة العمليات وشرعنتها (من حيث المكان ، الزمان ، النوعية) كان منذ تلك الأيام فالكل يعرف تماماً أن غالبية المجاهدين السعوديين وعلى رأسهم أبن لادن - الذي عاد من الجهاد وأقام في مدينة جدة - ممتنين للمملكة لوقوفها المشرف في دعم دولة إسلامية (أفغانستان) لمحاربة وطرد الجيش الأحمر السوفيتي الملحد المحتل. ثم تابع هؤلاء جميعهم المحاولات الجادة السعودية للتوفيق بين الأطراف الأفغانية المتناحرة والتي دخلت في حرب طاحنة مع بعضها البعض ، كما شاهد الجميع ، المؤتمرات التي عقدت على الأراضي السعودية (مؤتمر مكة) للجمع بين الفرقاء الأفغان تحت إشراف ورعاية المكتب الخاص لرئيس الاستخبارات السابق الأمير تركي الفيصل الذي كانت وزارته تتولى هذا الملف ،والسفير السعودي في أفغانستان الفريق المتقاعد من ذات المؤسسة الأمنية الفريق الركن/ محمد بن عيد العتيبي ، ولكن كافة جهود (الفيصل) والسفير(ابن عيد) لم تفلح لأسباب لا يتسع المجال لذكرها هنا وان كان أبرزها اتساع هوة الخلاف بين القادة الأفغان والذين كانوا أدوات في أيدي بعض الحكومات والدول خاصة المحيطة بأفغانستان .

لذا ومن باب الموضوعية والدقة علينا الاعتراف أن شرارة التحول في العلاقة بين جماعات العائدين من الجهاد وعلى رأسهم (ابن لادن) والحكومة السعودية كان بأسباب (غزو العراق للكويت) وهنا يود الباحث التأكيد على بداية عودة (الخوارج) إلى العمل المسلح ضد المملكة العربية السعودية تحت شعار (اخرجوا المشركين من جزيرة العرب) فكانت التفجيرات الأولى لهم في مبنى يقطنه مدربين أمريكيين يعملون متعاقدين مع الحرس الوطني بحي(العليا) بمدينة (الرياض) وهذا قبل نشوء حتى تنظيم القاعدة .

كما أنني لا أتفق مع المسمى الأمريكي والغربي بشكل عام على إطلاق مصطلح (إرهابيين) عليهم بل مصطلح (الخوارج) هو الوصف الأدق الأقرب والأنسب لهم لأن طبيعة منطلقاتهم وتوجهاتهم الفكرية وعقيدتهم وقناعاتهم التي تقول بالخروج على ولي الأمر وإجماع المسلمين مشابهة تماماً لما حدث عام (657م) عندما خرجت مجموعة من المسلمين على (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه ومن هو (علي) ؟ انه ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحد المبشرين، وأول فدائي بالإسلام، وقد كفروه وخرجوا عليه ،وقتلوه فما بالنا نستغرب خرجوهم اليوم على ولاة الأمر وجماعة السلف الصالح مع إطلاقهم لمشاريع تكفيرية على كل من يقف في طريقهم وتوجههم.

لقد كان الخوارج قومـًا ذوي عبادة ربما فاقت في بعض صورها عبادة الصحابة ،ولكنهم مع ذلك ضلُّوا سبيل الهدى لما ظنوا أنهم أعلم من الصحابة ، وقد اتفقت كلمة الأمة على ضلالهم ووجوب قتالهم.

وبدعة الخوارج هي المثل الواقعي الحيّ على أن الإخلاص وحده لا يكفي في صحة العمل ، وصلاح المنهج ؛ بل يلزم مع الإخلاص متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وعدم الخروج على فهم السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين .

تعتبر بدعة الخوارج أول بدعة حدثت في الإسلام ، قال الإمام ابن تيمية : كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع «الخوارج المارقون» وقد صح الحديث فيهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه أخرجها مسلم في صحيحه ، وخرج البخاري منها غير وجه، وقد قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه ولم يختلفوا في قتالهم.

والخوارج جمع خارج، وهو الذي خلع طاعة الإمام الحق، وأعلن عصيانه، وألب عليه ؛ بعد أن يكون له تأويل ، وعلماء الشريعة يسمونهم بغاة ، ومن مسمياتهم أيضـًا :الحرورية : لنزولهم في مكان يسمى حروراء بعد انفصالهم عن جيش سيدنا على رضي الله عنه .

النواصب : لمناصبتهم العداء لسيدنا عليٍّ رضي الله عنه ومن معه.

الحكمية : لقولهم بعد التحكيم لا حكم إلا لله .

المارقة: لمروقهم من الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة .

أما جذور بدعة الخوارج وأول الخوارج وأصلهم وأقبحهم حالاً هو (ذو الخويصرة التميمي) الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اعدل ، أو قال : اتق الله يا محمد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن يطع الله إن عصيته ؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنونني ؟ ثم أخبر أنه يخرج من ضئضئه (ذريته) الخوارج كما في صحيح الإمام مسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم عندما هم عمر بن الخطاب قتل أحدهم: [دَعْهُ فإن لهُ أصحَابـًا يَحْقِرُ أحدُكُم صلاتـهُ مع صلاتهم وصِيامَهُ مع صيامهم ، يقْرؤون القرآن لا يجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ ؛ يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ (حديدة السهم) فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ ، ثم يُنْظَرُ إلى رِصَافِهِ (مدخل النصل من السهم) فلا يُوجدُ فيه شيءٌ ، ثم يُنْظَرُ إلى نَضِيِّهِ فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ ـ وهو القدح ـ ثم ينظر إلى قُذَذِهِ ـ ريش السهم ـ فلا يوجد فيه شيءٌ ،سبق الفَرْثَ والدم ، آيَتُهُم رجلٌ أسودُ إحدى عَضُدَيْهِ مثلُ ثَدي المرأة ، أو مثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ ، يَخْرُجُون على حِينِ فُرْقَةٍ من الناس].

قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد ، فأُتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت .

أما خروجهم على عليٍّ رضي الله عنه قال ابن الجوزي : فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وذلك أنه لما طالت الحرب بين معاوية وعلي رضي الله عنهما رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي إلى ما فيها وقال : تبعثون منكم رجلا ونبعث منا رجلا ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله عز وجل ، فقال الناس قد رضينا فبعثوا عمرو بن العاص فقال أصحاب علي : ابعث أبا موسى ، فقال عليّ : لا أرى أن أولي أبا موسى هذا ابن عباس قالوا لا نريد رجلا منك فبعث أبا موسى وأخر القضاء إلى رمضان فقال عروة بن أذينة : تحكمون في أمر الله الرجال لا حكيم إلا الله ورجع عليّ من صفين فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج فأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا وقالوا لا حكم إلا لله ، وكان ذلك أول ظهورهم ، ونادى مناديهم أن أمير القتال شبيب بن ربعي التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري ، وكانت الخوارج تتعبد إلا أن اعتقادهم أنهم أعلم من عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه وهذا مرض صعب.

قال عبد الله بن عباس (حبر الأمة) إنه لما إعتزلت الخوارج دخلوا دارًا وهم ستة آلاف وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب ، فكان لا يزال يجيء إنسان فيقول يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك فيقول دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون ، فلما كان ذات يوم أتيته صلاة الظهر فقلت له يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم فقال إني أخاف عليك فقلت كلا ، وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا ، فأذن لي فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا : جباههم قرحة من السجود ، وأياديهم كأنها ثفن الإبل ، وعليهم قمص مرحضة ، مشمرين ، مسهمة وجوههم من السهر فسلمت عليهم فقالوا مرحبا بابن عباس ما جاء بك ؟ فقلت : أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهر رسول الله وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم فقالت طائفة منهم لا تخاصموا قريشا فإن الله عز وجل يقول : (بل هم قوم خصمون) فقال اثنان أو ثلاثة لنكلمنه فقلت : هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحد وهم أعلم بتأويله قالوا: ثلاثا، قلت: هاتوا قالوا: أما أحداهن فانه حكم الرجال في أمر الله وقد قال الله عز وجل : (إن الحكم إلا لله) فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل ؟ فقلت : هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأما الثانية: فإنه قاتل وقتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم وقتلهم ولم يحل لنا سبيهم؟ قلت : وما الثالثة ؟ قالوا فإنه محا عن نفسه أمير المؤمنين فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين قلت : هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا .

قلت لهم: أما قولكم حكَّم الرجال في أمر الله .. أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض هذا فإذا نقض قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم ، قلت: فإن الله قد صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب وتلى هذه الآية: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) إلى آخر الآية، وفي المرأة وزوجها: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) إلى آخر الآية، فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وفي حقن دمائهم أفضل أم حكمهم في أرنب وبضع امرأة فأيهما ترون أفضل ؟ قالوا : بل هذه. قلت خرجت من هذه؟ قالوا نعم .

قلت : وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم .. فتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها؟!! فوالله لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين لأن الله عز وجل " قال النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " أخرجت من هذه ؟ قالوا : نعم .

قلت : وأما قولكم محا عن نفسه أمير المؤمنين.. فأنا آيتكم بمن ترضون: إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين -أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو- فقال لعلي رضي الله عنه: اكتب لهم كتابا.. فكتب لهم عليٌّ : هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله لو نعلم انك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اللهم إنك تعلم أني رسول الله امح يا علي هذا واكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله . فوالله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه.. قال فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا .

واجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي إيثارها عناء آثر عند من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق فاخرجوا بنا، ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثا يحدثه عن رسول الله تحدثناه؟ قال نعم سمعت أبي يحدث عن رسول الله أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول . قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله قال نعم.. فقدموه إلى شفير النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل مواقير (بنهروان) فسقطت رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فيه، فقال أحدهم: أخذتها بغير حدها وبغير ثمنها فلفظها من فيه ، واخترط أحدهم سيفه فأخذ يهزه فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه به يجربه فيه فقالوا: هذا فساد في الأرض فلقي صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه.

فلما عاث الخوارج في الأرض فسادا ، وقتلوا عبد الله بن خباب وزوجته بعث إليهم عليّ رضي الله عنه أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله ، فناداهم ثلاثا كل ذلك يقولون هذا القول فعند ذلك قال علي رضي الله عنه لأصحابه دونكم القوم فما لبثوا أن قتلوهم .

وقد روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن وهب الجهني: أنه كان في الجيش الذين كانوا مع عليٍّ رضي الله عنه ـ الذين ساروا إلى الخوارج ـ فقال عليٍّ رضي الله عنه : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [يَخرج قومٌ من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيءٍ، ولا صلاتُكُم إلى صلاتهم بشيءٍ، ولا صيامُكُم إلى صيامهم بشيءٍ، يقرؤون القرآن ويحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا تُجاوِز صلاتهم تَرَاقِيهم ـ المراد عدم انتفاعهم بالعبادة ـ يَمْرُقون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهم من الرَّميَّةِ، لو يعلم الجيش الذين يُصيبُونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتَّكَلُوا عن العمل، وآيةُ ذلك أن فيهم رجلاً له عضدٌ وليس له ذراعٌ ، على رأس عَضده مثل حلمة الثدي عليه شعراتٌ بيضٌ] فتذهَبُون إلى معاوية وأهل الشام وتترُكون هؤلاء يخلُفُونكم في ذرارِيكُم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغارُوا في سَرْحِ الناس ـ أي الأنعام التي ترعى ومن يرعاها - فسيروا على اسم الله "(صحيح مسلم).

قال سلمة بن كهيل (أحد رواة الحديث) : فنزَّلني زيد بن وهب منزلاً حتى قال : فمررنا على قنطرة ، فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي ، فقال لهم : ألقوا الرماح وسلّوا سيوفكم من جفونها ، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراءَ ، فرجعوا فوحشوا برماحهم ـ رموا بها عن بعد ـ وسلوّا السيوف ، وشجرهم الناس برماحهم ـ أي طعنوهم ـ قال : وقتل بعضهم على بعض ، وما أُصيب من الناس يومئذ إلا رجلان ، فقال عليٍّ رضي الله عنه : التمسوا فيهم المُخدَج ـ الذي تقدم وصفه بأنه له عضد وليس له ذراع ـ فالتمسوه فلم يجدوه ، فقام عليٍّ بنفسه حتى أتى أُناسـًا قد قتل بعضهم على بعض ، قال : أخروهم ، فوجدوه مما يلي الأرض ، فكبر ثم قال : صدق الله وبلغ رسوله ، قال : فقام إليه عبيدة السلماني فقال : يا أمير المؤمنين ، آلله الذي لا إله إلاّ هو ، لسمعتَ هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ، فقال : أي والله لا إله إلا هو ، حتى استحلفه ثلاثـًا وهو يحلف له .

أما قتلهم للإمام علي رضي الله عنه :فقد اجتمع عبد الرحمن بن ملجم بأصحابه وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: والله ما قنعنا بالبقاء في الدنيا شيء بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلوا أنا شرينا أنفسنا لله والتمسنا غير هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم لإخواننا وأرحنا منهم العباد ، وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم، والبرك بن عبد الله، وعمرو ابن بكر التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا لنقتلن هؤلاء الثلاثة (عليا) و(معاوية) و(عمرو بن العاص) ونريح العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي ، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية ، وقال عمر: وأنا لكم بعمرو فتواثقوا ألاّ ينقض رجل منهم رجلا عن صاحبه .

فقدم ابن ملجم الكوفة فلما كانت الليلة التي عزم على قتل عليٍّ رضي الله عنه فيها خرج علي رضي الله عنه لصلاة الصبح فضربه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه فقال علي رضي الله عنه لا يفوتنكم الرجل فأخذ ، فقالت أم كلثوم : يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين .

فلما مات علي رضي الله عنه أخرج ابن ملجم ليقتل فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم فسمل في عينيه بمسمار محمى فلم يجزع فجعل يقرأ :{اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق} حتى ختمها وإن عينيه لتسيلان، فعولج على قطع لسانه فجزع فقيل له لم تجزع؟ فقال أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله.. وكان رجلا أسمر في جبهته من أثر السجود .

حرصت من إسهابي في عرضي السابق لتاريخ نشأة (الخوارج) ومسمياتهم، وطبيعتهم تدينهم الربط بين خوارج وقتنا الحالي الذين يرفعون شعارات كلها دينية يفادون بها أرواحهم واعز ما يملك الإنسان فهذا (ابن ملجم) حتى أثناء تنفيذ عبد الله بن جعفر للقصاص فيه كان يقرأ القرآن فالواحد منا كما ذكر الحديث الشريف يَحْقِرُ صلاتـهُ مع صلاتهم وصِيامَهُ مع صيامهم ، يقْرؤون القرآن لا يجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ،وهذا ماحمله مشروع (ابن لادن) الأممي. لذا لا أتفق مع إطلاق تسميتهم بالإرهابيين كما يدعوا لذلك (جورج بوش) والغرب بعمومه ،كما أدعوا إلى العودة والاستفادة من تاريخنا الإسلامي في معالجة ظاهرتهم والعمل على عودتهم إلى صوابهم ورشدهم بكافة الطرق الأنسب من ترغيبية أو ترهيبية.

وللحديث بقية..

تركي بن بندر

20 يناير 2006

ولاة أمر تجب طاعتهم أم أمراء سفهاء يجب استبدالهم





الأحد، 8 أبريل 2012

السعودية : وعودة الخوارج 1-3




لم يكن غزو (الكويت) من قبل (العراق) بالأمر الهين والعابر على كافة الأصعدة والمستويات ، كما كانت آثاره وتداعياته ولازالت تطال شعوب المنطقة ، وأنظمتها السياسية حتى هذه اللحظة ، فالمزاج الشعبي العربي العام تغير وتأثر منذ ذلك الوقت ، وما حدث ويحدث في (العراق) حالياً مجرد حلقة في ذلك المسلسل ، كما أن انعكاساته أثرت على القضية الفلسطينية سلباً على كافة مفاصلها.

وحيث أن الحديث في هذا الموضوع متشعب، ويطول ، سأحاول التركيز في هذه الدراسة على انعكاساته فيما يخص الشأن السعودي إن كان على مستوى الحكومة أو الشعب، وما تلاها من أحداث وتطورات في الأعوام الأخيرة على المستوى الأمني.

في البدء يلاحظ المتتبع للخطاب السياسي والإعلامي السعودي منذ عام (1991م) أي بعد تحرير الكويت وحتى سقوط بغداد (إبريل2003) عدم قدرة القائمين عليه إبراز مسألة في غاية الأهمية ألا وهي أنه لا توجد خلافات تاريخية بين السعودية و (العراق) على أرض أو أراض وما يظن أنها أطماع (تركيا وإيران مثلاً) ، ولا أهداف سياسية (كالهاشميين في الأردن حكام العراق الملكي ، والمصريين من بوابة التنافس الزعامي للأمة العربية، والبعثيين في سوريا من زاوية الخلاف الأيديولوجي) بمعنى عدم إبراز أن جوهر الخلاف والمشكل وحقيقته يكمن في الغزو العراقي الغاشم للكويت كدولة عربية وخليجية واحتلالها، وتهديد أمن وحدود المملكة والمنطقة الشرقية تحديداً- التمركز الأضخم لحقول النفط ومشاريع الصناعات البتر وكيميائية ـ عبر حشد النظام العراقي للقوات العراقية عام (1991م) على الحدود السعودية ذلك النظام الغادر للجارة (الكويت) التي لم تبخل عليه بشيء مدة حربه مع (إيران) مثلما كانت المملكة العربية السعودية بإتجاه دعمه في تلك الحرب التي لم يشاورهم بها، والتي شنها إرضاء لأمريكا وخدمة لأغراضها الانتقامية من الثورة الخمينية التي طردت الوجود الأمريكي الكثيف في (إيران) فترة حكم (الشاه) ، تلك الثورة التي قامت باحتجاز أعضاء السفارة الأمريكية في (طهران) مما أسقط الحكم الديمقراطي في أمريكا حيث أخذت تترنح حكومة الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) وفقدت شعبيتها لإخفاقها في معالجة هذه الأزمة مع النظام الثوري الإيراني.

لقد وجدت حكومة المملكة العربية السعودية أنها أمام خيار واحد فرض عليها مبني على أساس العمل على تحقيق سلامة أراضيها وأمن شعبها الذي يثق بها ويعيش تحت كنف حكمها وكما هي العبارة الميكافيلية المنقوشة على السيف الذي أهدي لـ إيمولا «ليست المحافظة على الدول بالكلام» كان لابد على المؤسسة الحاكمة في السعودية اتخاذ قرار استدعاء قوات التحالف الدولي على أراضيها وحشدها أمام قوات نظام غادر قطع الوعود لزعماء عرب بعدم غزو الكويت وعلى رأسهم الرئيس المصري (محمد حسني مبارك) وأرسل وفداً برئاسة نائبه لمدينة (جدة) السعودية بعد ضغوطات من الملك فهد (يرحمه الله) في محاولة لنزع فتيل الأزمة وحدتها عبر التفاوض مع الكويتيين في محاولة مخلصة وصادقة النية من قبل الملك (فهد بن عبد العزيز آل سعود) ـ رحمه الله ـ من أجل سلامة الجارتين وعدم تطور الأمور إلى ما هو أسوء بينهما. لكن النظام العراقي الغادر كان يسعى لذر الرماد في العيون بإرسال وفد للمفاوضات بينما في حقيقته كان في المراحل النهائية من وضع خططه الحربية الهجومية على (الكويت).

من هنا أقول إن القائمين على الخطاب الإعلامي والسياسي (الداخلي) السعودي قبل (الخارجي) لم يكونوا مستعدين لحدث بهذا الحجم المهول والضخم، ولم تكن لديهم الخبرة والتجربة أو حتى مجرد الاستعداد. لذا لم يقوموا بضخ الجرعات الكافية للأسباب المنطقية، والمبررات التي فرضها ذلك الغزو العراقي في استدعاء القوات الأجنبية وجلبها إلى السعودية، وأنا أتحدث هنا على المستوى المحلي ناهيك عن المستويين العربي والإسلامي فقد تبنى التيار الديني - أحد أبرز ركائز المجتمع السعودي وسماته - نظرية المؤامرة من قبل الأمريكيين في استخدام غزو العراق للدخول إلى المنطقة واحتلالها بشكل غير مباشر ،مما شكل لاحقاً العنوان الأبرز في أيديولوجية تنظيم القاعدة في المملكة ألا وهو «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» - أي تلك القوات - واعتبر الشعار والهدف المعلن لعمليات تنظيم «القاعدة».

بمعنى أن الخطاب الديني السعودي المسيس أشعل الشارع على مرأى ومسمع الحكومة بوجود مؤامرة عالمية كبرى تقودها أمريكا للبقاء على الأراضي السعودية، والسيطرة على منابع النفط في الخليج عبر البقاء في المنطقة فقد كانت أبرز طروحات هذا التيار الذي أستخدم الكتب والمحاضرات الدينية المسجلة على أشرطة الكاسيت للتسويق لقناعاته المطلقة بالمؤامرة مستشهداً بأنه حدث تدريب للقوات الأمريكية في صحراء (لاس فيغاس ـ نيفادا) في عام (1982م) استعداداً لعمليات عسكرية حقيقية بذات مواصفات بيئة صحراء (لاس فيغاس) سوف تقام في منطقة ما من العالم وغير ذلك من قصص وإستشهادات كانت ذات أثر كبير في ذهنية الجماهير السعودية أكثر بكثير من أي خطاب رسمي حكومي تجاهل الرأي العام الشعبي لينقسم الشارع السعودي إلى قسمين تجاه قرار الحكومة باستدعاء قوات التحالف الدولي على أراضيها،ومن هنا بدأ التحول الفكري في موقف العديد من جماعات الشباب المتدينين،وكذلك المجاهدين السعوديين العائدين من أفغانستان في رؤيتهم وموقفهم من الدولة.
للحديث بقية .

تركي بن بندر
6 يناير 2006

السبت، 7 أبريل 2012

رداً على أهل النميمة والسفهاء

هذه بعض الاثباتات لمن يدعي بأن حقي أو حق والدتي -يرحمها الله- لا وجود له أو أنني إما مطرود أو هارب وغير معترف بما أطالب به والحمدلله الذي عافاني مما أبتلي به كثير من خلقه وفضلني تفضيلا .







الجمعة، 6 أبريل 2012

ديدن التكريم


قال تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا

  عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة إنني أعلم بأنكم تنتظرون الجزء الثاني من قصة (عندما يختزل الفكر) إلا أنني رأيت حلماً في منامي حيث طالبني أخي الأمير محمد بن بندر يرحمه الله وطلب مني الوفاء للناس والكتابة عنهم وتقديم مشاكلهم وما كان مني إلا السمع والطاعة لذلك قررت أن أكتب لكم اليوم عن موضوع مهم وحساس ألا وهو (التكريم) وسأقدم بقية أجزاء القصة بإذن الله عز وجل في العدد القادم .

(عندما يخدم الإنسان وطنه من خلال عمله أو منصبة أو حتى بدون عمل رسمي فإنه يستحق التكريم مهما كان عمله أو مهنته فأي عمل يقدمه الإنسان يعتبر لبنة من لبنات البناء في هذا الوطن ولكن التكريم الذي أقصده يختلف عن التكريم المعمول به أو المنتشر هذه الأيام والذي لا يتجاوز صفحات الجرائد وشهادة مذهبة ودرع في بعض الأحيان)

  سرعان ما تطوي صفحة من صفحات حياته ليدخل بعدها غياهب الحاجة والنسيان وخاصة إذا كان المنزل إجار وهذا شيء طبيعي عندما نعلم أن أقل من 20% من المواطنين هم من يملكون منازل أما البقية فيسكنون في بيوت أجار وهنا اتساءل عن قيمة تلك الشهادة والتكريم أمام واقع قاسي الأسعار فيه ترتفع والأيام تبدو أشد قسوة من السابق لذلك لا بد من إعادة صياغة مفهوم التكريم وتجاوز الشهادات والاحتفالات إلى تقديم حلول جذرية لمشاكل المواطن حيث التكريم الأكبر والأبرز هو حل مشاكله وتلبية احتياجاته وقد يكون من قدم اقتراح التكريم ومن يقوم بالتكريم حديث عهد بالعمل ولا يملك المقومات الفكرية والنظرة الاستراتيجية بل قد يحضر وهو لا يعلم إلا أنه سيقف يقدم بعض الشهادات فقط .
  من جانب آخر فإن ما نشاهد هذه الأيام من تكريم لبعض فئات المجتمع المجحفة في حقه والتي سعت لتدمير وزعزعة الأمن والآمان ويتم سجنهم ومناصحتهم وعندما يعودوا إلى رشدهم تتم مكافآتهم وشراء منازل لهم ومساعدتهم في الزواج وحل لمشاكلهم الأخرى وهذا التصرف الغريب يدفع العديد من الشباب المعدمين والمحتاجين إلى اعتناق مثل هذه الأفكار أو الانضمام لبعض الجماعات المعارضة لكي يحضى بهذا التكريم المميز والذي لم يجده رجال الأمن الذي ماتوا في سبيل هذا الوطن وتركوا ابنائهم في بيوت مستأجرة الله وحدة يعلم بحاجتهم وتفاصيل حياتهم .
  بل أن هناك الكثير من الضباط في جميع القطاعات بدون استثناء يصلون إلى سن التقاعد وهم لم يستطيعوا شراء منزل في ظل هذا الغلاء الفاحش والأسعار المرتفعة مع أننا دولة مترامية الأطراف الأراضي البيضاء تشكل نسبة كبيرة من مساحتها ولكن وبكل أسف تذهب هذه الأراضي إلى أشخاص معينين تحت مسميات المنح وهذه مشكلة حقيقية تقف عائقاً في مسيرة التنمية والأمثل في ذلك كثيرة نذكر منها على سبيل المثال مشروع سكة الحديد والذي رصدت له ميزانية بناء على الدراسات والعروض المقدمة من الشركات إلا أن قيمة التعويضات عن الأراضي التي سيمر من خلالها المشروع أضعاف الميزانية ولا أعلم كيف أشترى هؤلاء أراضي تقع في أعماق الصحراء ليطالبوا بتعويض بملايين الريالات وهل تلك الأراضي تستحق هذه الأسعار والأرقام ..؟
وبمنطق التكريم والحاجة والعدالة أتسال هل تعويض بعض الأشخاص بمبالغ غير منطقية هو تكريم لهم إما لمكانة ما كعرق سامي لاينتمي لأهل الكرة الآرضية او دم أزرق أوأختراع قاموا به يفوق ماأخترعه العلماء الآخرون ببلادهم مثلاً ام انهم احق من غيرهم واعلى مستوى .... ؟ وهل تقديم شهادة بمقاس A4 ودرع لاتتجاوز قيمته المئة وعشرة ريالات وصورة مقاس 4X4 في صحيفة هو في الحقيقة تكريم لهم أم شهادة للمكرم نفسه بأنه يقدر هؤلاء ويسعى لاحتضانهم وأسعادهم فقط أمام عدسات الكاميرات وغيرها من وسائل الإعلام فبلادنا لتتحمل الانتخابات وهذا ليس رائيي او قولي بل تصريح وقول أغلب سياسيها ومسئوليها فهم يروون أن الشعب ببلادنا لازال قليلي الوعي والفهم والدليل على قبوله كلمة (مت .. قاعد) أمام رتبته العسكرية او المدنية التي قد تتجاوز بكثير من ألاحيان رتبة اللواء او الممتازة ..؟

  بعدها يقف أمام عائلته خالي الوفاض وقد يشاهد عائلته تتسابق إلى رغيف قد يبس أو يشاهد حسرات زوجته وأبناءه وهم يطلبون ما لا يقوى على شراءه مما يضطره إلى طلب المساعدة وقد يكون تسولاً من نوع أكثر حياء، أو يصطف على ابواب الجمعيات الخيرية ذات الأنظمة الغريبة والإجراءات البيروقراطية التي لم تتغير منذ عقود ومع ذلك تستمر حياته وحياة أبناءه ولا يملك لهم إلا مجموعة من الذكريات معلقة على جدران المنزل المستأجر أو الشقة أو قد تكون بدار العجزة !
  وتفاصيل حياته التي قضى جزء كبير منها في خدمة هذا الوطن ويخشى أن يسمع السؤال الذي لا يقوى على إجابته ماذا قدمت للوطن ..أو.. وطنك وطنك وش تقدر تعطيه ..؟ دعاية نشاهدها وأغنية وطنية تحمس كثير من أبناء بلادنا الحبيبة في كل قنواتنا العامة والخاصة ..وأظنهم وبعد رؤية آباءهم وأمهاتهم وعدم قدرتهم الشخصية على إيجار العمل المناسب أو لعدم اقتناعهم بالانخراط بالخدمة مع القطاع العام فهم رددوا أغنية جديدة عنوانها ..
وطني وطني كيف كافئتني
آبائي وأجدادي .. سالت دموعهم مع دمائهم ..
وسكنوا الخلاء .. ودفنوا مع الخيلاء ..
في ذاكرة النسيان .. على مر الأزمان
وطني نظر للبعيد .. وتخلى عني وأنا قريب ..
وطني وجد بأصحاب الأبواق .. ضالته المنشودة .. وناصح العصاة البغاة
وأدار ظهره للمحبين .. بحث عن الأحرار .. وترك السباك .. والنجار
نصب الخونة والقادرين .. وقتل من أمرضهم حبه والحنين ..
ألا يا وطن هل لك من قرار .. أم أنا اليوم المعارض الفجار ..
وطني .. وطني وماذا أعطيه ..
إذا كان بالواقع يرفضني فيه ..!77!

  سؤال يصم الآذان ويدمي القلوب وخاصة عندما نشاهد صاحب منصب كان في الأصل معارضا أو ذو شعبية كان يدعو إلى محاربة الحكومة ومن يخدمهم أو نشاهد مكافأة من كان يعد المتفجرات في شوارعنا هذا ويبنى له بيتاً وتعويضاً عن ما هدمه من بيوت ..! لأنه عاد للصواب كما لا انسى إعلامنا المبجل مقابلة المفحط التائب والداعية المعتزل العائد والمتعاطي والمروج الراشد ..! ويتناسون المكافح والمنضبط المحب المبدع العفيف السائق المثالي لأنهم قليلي تجربة لا يفهمون ولا يعون ..؟ فهل يجب أن ارتكب خطأ ثم أتراجع عنه حتى يعرف المسئولون أنني على صواب ألا يمكن أن تكافئني وأنا على صواب عشت وخدمت وبذلك كل ما في وسعي لخدمة وطني والآن أحصل على ورقة لا أستطيع أن أشتري البرواز لها ..!!
  عزيزي القارئ عزيزتي القارئة أنا لا أتحدث عن موضوع شخصي بل أنني أتحدث عن آلاف المتقاعدين (موتو قاعدين) واحتياجاتهم أتحدث بأسمائهم وأرفع معاناتهم ليس بدافع المعارضة كما يروج البعض عني فأنا رجل خدمت وطني منذ كنت صغيراً وعملت في أكثر القطاعات مشقة وقدمت كل ما لدي وعندما غادرت ذلك المكان استمريت في خدمة هذا الوطن وما زلت كذلك فأنا شريك في البناء ولا يهمني من يطلق علي الشائعات ويتهمني بالمعارضة وخاصة عندما بدأت الكتابة عن القضايا التي تهم المجتمع بكل صدق وصراحة وشفافية ودعوني أسألكم من يقف ضد الوطن ومن يقسوا على الوطن أكثر .. من يقوم بمناقشة القضية وتحديد الخطأ وطرح الحلول أم من يقوم بالتشهير بأفراد المجتمع وينشر كل ما يشير إلى ضعف أداء الأجهزة الحكومية تصفحوا الجرائد الحكومية والخاصة ولا حظوا تلك العناوين الجارحة والتي تؤلمني كثيراً أنها تتحدث عن جرائم وممارسات وأحداث تقودنا إلى تصور واقع أسود اللون مجهول المعالم، اترك الجواب لكم وأضيف عليه تساؤل آخر وهو لماذا عندما أكتب أو أتحدث عن موضوع معين أو أطرح قضية ما اتهم بالقسوة على المجتمع ولكن سرعان ما أجدها في وسائل الإعلام بأسماء وبطرق متعددة وتكون لطيفة على الوطن من ألسنتهم وأقلامهم .!! أما قلمي سيفا ولساني ناراً حارقة أو بأختصار قد يكون بالنسبة لهؤلاء مطلقي الإشاعة (إبليساً جديداً لأنني لست فاسدا لهم مطبقاً لما يحبون أو يفرضوه على الآخرين مغيراً للحقائق ومطبلاً لرموزهم ..؟؟!!) ومع ذلك قد قلت في مقال سابق بأنه لا يهمني الاقتباس من مقالاتي إذا كان دافعه البناء وستوظف لبناء الوطن .
  إخواني أخواتي إن قضية التكريم قضية هامة وحساسة فالمكافأة مطلب اجتماعي ويصب في تنمية المجتمعات والأفراد ويحقق العدالة والمساواة بينهم فعندما يقدم الإنسان عملاً خيراً يكافأ عليه وهذه قاعدة لا غبار عليها فعندما يعمل الإنسان حسنة يكافأ بعشرة امثالها وقد كافأ الله العديد من الأنبياء بمعجزات وكرامات كما كافأ الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة، وهذا دأب الصحابة من بعدة صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن نتجاهل هذه القاعدة أو نتخلى عنها وخاصة مكافأة من ساهموا بشكل كبير في تأسيس وتوحيد هذه البلاد ممن حاربوا وقادوا القبائل وشاركوا في مسيرة التأسيس وتنازلوا عن حقوقهم من أجل الهدف الأسمى وهو الاستمرارية في التأسيس وبناء الدولة وكان من الأجدر منحهم حقوقهم فضلاً عن مكافأتهم كما تكرم الوالد القائد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بتكريم أبناء الملك سعود ببداية عهدة وتكريم شهداء الواجب في حرب 67م بمنحهم أراضي بعد معاناة 27 عام فهل سنرى تكريم المؤسسين والمهادنين والمعاهدين عن قريب نأمل ذلك إن شاء الله .
  أعزائي القراء أحبتي وسر إبداعي لا تشطحوا ولا تتشتتوا قفوا معي لحظات خذوا نفساً عميقاً وأغمضوا أعينكم بلطف وأتركوا كل ما بأيديكم وأريحوا كل عضلاتكم وبعد الإحساس بالهدوء لا تدعوا لفكركم أن يهفو في الدون (وأقصد هنا كل تفكير دوني أو غير سوي) وتذكروا قدر ومقدار كل خلقه المؤمنين والمسلمين بوجوده وأبدأو معي لنختصر على الكثيرين التأويل والبحث عن نوافذ تسليهم حسب استشمامهم للخبر كما هو يعيشه في داخله لا كما يراه ويعيه، التكريم وضع مستمد من اسم أكرم الأكرمين ألا وهو الله الرب القادر المقتدر الرازق الكريم الذي لا نحمد سواه على كل ما قسمه الله لنا سواءً كان خيراً كبيراً أو بلاءً عظيماً فالحمد لله رب العالمين والعالمين فا الله إن اعطى خيراً فهو منه وإن كتب على أحدنا شراً أو بلاءً فهو منا ونتجية لتهاوننا وأخطائنا فلا تنشدوا وراء تحليلات الأقلام المطبلة أو مع الأقلام المتغطرسة أو الحاقدة أو الحاسدة لكل من يستحق التكريم دون استجداء أو واسطة أو بشرائها بماله أو جاهة أو سلطته أو نفوذه أو مكانة أو منصب أو كرسي يلبسه صاحبه ليرفعه أو جمال فتان أو قبيلة أو أسرة أو سرير أو شهادة أو لقب أو احتساب زائف أو خلط لإرضاء سيد خلق مثلنا أو .. أو .. أو وقد لا تنتهي الـ"أو" .
  ولن استبق فكركم انظروا معي ما هو أكبر أنواع التكريم بالكرة الأرضية أليست هي جائزة المدعو نوبل ..؟ أليس هناك المئات بل قد تكون آلاف من الجوائز المحفزة بأسماء الكثيرين وغيرهم يبحث عن الوسيلة والطريقة للحصول على وسام أو وشاح أو جائزة نوبل للسلام العالمي ويقال هذا تكريم من وجهة نظر هيئة الأمم المتحدة ولا أعلم لما لم يكرم من أبدع وأختار هذا الأسم الفذ لها .
  والذي لم أرى في حياتي أصدق منه تعبيراً وفعلاً مما نراه اليوم من أتحادهم لإعادة زمن سيدنا نوح ولا نعلم من أختير ليركب أول سفينة فضاء الأم وينجو من وضعه على لائحة المغضوب عليهم من أوصياء الله في أرضه أو من باقي المعتقدات والمسميات الأخرى أعتذر لك عزيزي القارئ لأني أعلم علم اليقين بأن كلامي ومقالي وإبداعي كله مسروق ومكرر (وأعني بمسروق بأن مسلوب من دواخلنا منذ زمن بعيد) وكل مسعور أو متعطش للتشفي من قلمي وفكري ممن عريتهم أمامكم لم أكن أنا من قام بتعرية هؤلاء الفاسدين ولم أكن يوماً طرفاً ولن أكون ما حييت طرفاً لملاحقة أحد في خصوصياته (منهم من عروا أنفسهم بأفعالهم وتفكيرهم الغير سوي) أو حياته أو عائلته أو قبيلته أو مؤسسته أو أو ولكني لن أقف كانسان حر متربي وأنا أرى أحد كائن من يكون يمس بلادي ووطني وأبناء وطني وأمتي وجميع الطيبين بسوء وأقف متفرجاً كما أود أن أذكر بأنني لا أستحق التكريم ولا أبحث عنه ولا أريده لا من قريب ولا بعيد ويعلم الله لو منحت لي آلاف الشهادات والأوسمة والوشاحات وغيرها من الجوائز المادية والعينية سيكون ردي وعن قناعة برفضها جميعاً وعلى رأسها جائزة المدعو السيد نوبل وهذا ليس زهد أو تواضع أو اكتفاء او استعلاء بل لقناعتي بأن التكريم لا يستحق سوى إبن وطن يعيش على رغيف خبز وقد يكون مبيت أو غير صالح للأكل يتقاسمه مع أبناءه وبناته الخمس بين جدرانه الطينية المتشققة يسمعون من خلالها صفير الهواء ويلبسون ثياباً بالية بالكاد تغطي أجسادهم النحلية وعوراتهم، ويتلحفون بأجساد بعضهم البعض لا يمدون أيديهم لا بالسر ولا العلن على وإلى غيرهم من المخلوقات إلا لخالقهم رب السموات والأرض ولا يأكلون إلا ما قسمه الخالق جل وعلا ويناجونه آناء الليل وأطراف النهار بأن يديم الصحة والعافية لهم وإذا مرضوا تداووا بالقرآن وببعض الماء المتوفر المسخن والذي حصلوا عليه بطريقة قد لا يكون ماء صالح حتى للحيوانات والميكروبات ككمادات، صنعت من بقايا الجوارب البالية الممزقة حسب الحاجة للبارد أو الحار وكلهم أمل بعد أن أكرم الله هذه البلاد كرماً خاصاً .. أن ينزل الرحمة في قلوب سادتها الحافظين لها الحريصين عليها والمسئولين عنها أمام خالقهم مباشرة بعيداً عن بطانتهم وأقول هنا (اللهم لا نسألك اليوم إصلاح بطانة أي قادر بقدرتك فاسدة ولكننا نسألك بجلالك وعزتك وقوتك وجبروتك أن تزيل برحمتك كل فاسد حاسد نجساً حاقد هو وبطانته وأن تعز عبدك الفقير الذاكر بغير مجاهرة المحب لغيره من غير مكابرة إنك سميع مجيب) إلى هنا سأقف وأصر على ما ذكرت فكل مقالاتي مسروقة ومستعارة وملعونة إن لم تخدم هذه البشرية ومختزلة عما يدور في نفوسكم النقية الطاهرة السوية .

حفيد الجدين
15/01/2008

الأحد، 12 فبراير 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف 5-5 "الجزء الثاني"


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
5-5
 30 ديسمبر 2005


أما ما أوردته جريدة الحياة في عددها الصادر رقم (15610) وتاريخ 27/11/1426هـ أي في نفس الأسبوع من خبر جريدة ا(الرياض) فهو يؤكد وجود منهجية معتمدة وقائمة لدى من ينتسب للهيئة بالاستخفاف بالأنظمة والقوانين القائمة في البلاد وتعمد الألتفاف عليها، والملفت للأنتباه أن هذا الاتهام لم يكن من ليبرالي فاسق إنما جاء من أحد كبار "المشايخ" و "القضاة" في مدينة  (الباحة) .
  يقول خبر جريدة "الحياة" الذي أرجو أن يعذرني القارئ بإيراده كاملاً للأمانة والدقة في منطق الطرفين كما أورده مراسل الجريدة "علي الرباعي" والذي حمل عنوان (الباحة : قاضي الجزائية يقاضي رجال "هيئة الأمر بالمعروف" تشهد منطقة الباحة حالياً قضية تعد الأولى من نوعها في السعودية من حيث أطراف الخصومة قاضي المحكمة الجزائية الدكتور/ محمد الظافري ورئيس فرع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخمسة من الأعضاء الذين يمثلون رؤساء مراكز في محافظات المنطقة .
  آخر تطورات فصول القضية هو طلب القاضي الدكتور/ محمد الظافري من إمارة المنطقة التدخل لإلزام رجال الهيئة بالحضور إلى هيئة الأدعاء والتحقيق، للتحقيق معهم في تثبيت صحة شكوى تقدموا بها ضد القاضي المذكور إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى وثبت أنها غير صحيحة .
  وكان رئيس فرع هية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة الباحة وخمسة من الأعضاء العاملين كرؤساء مراكز المحافظات تقدموا بشكوى إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى الشيخ / صالح اللحيدان يتظلمون فيها مما يتعرضون له من قاضي المحكمة الجزائية الدكتور/ محمد الظافري، من تجاوزات كلامية بتهميش لشهادتهم على مرتكبي الموبقات ما دفع مجلس القضاء إلى إرسال مفتش قضائي للتحقيق مع الظافري الذي أذعن للمفتش وأطلعه على عدم صحة دعوى المدعين .
  لكن القاضي الظافري تألم من هذه الدعوة التي وصفها بأنها (كيدية) وخاطب امير  المنطقة الامير/ محمد بن سعود بن عبدالعزيز طالباً منه إحالة المدعين عليها لهيئة التحقيق والأدعاء العام لتتولى التثبت من شكواهم ومدى صحتها من بطلانها .
  وصدر التوجيه من إمارة الباحة إلى رئيس هيئة التحقيق والأدعاء باستدعاء أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحقيق معهم إلا أنهم لم يتجاوبوا مع طلب الهيئة ما دفع رئيسها إلى مخاطبة مقام الإمارة مرة أخرى للتدخل في إلزامهم بالحضور بموجب الأنظمة وما نصت عليه الإجراءات الجزائية ونظام المرافعات وسألت الحياة القاضي الظافري حول معرفته بالأعضاء المدعين عليه وخلفيه الدعوى فقال : لا أعرفهم لكونهم يعملون في محافظات لا تتبع في إجراءاتها المحكمة الجزائية في الباحة وأكد القاضي الظافري أنه لن يرضى بالصلح أو التنازل حتى يثبت بطلان الدعوى التي تقدموا بها لرئيس مجلس القضاء الأعلى مشدداً على القول أن رجال الحسبة تجاوزوا أمير المنطقة منذ البداية وتوجهوا بشكواهم إلى مجلس القضاء رغم أن مرجعية المؤسسات الحكومية تؤول للحاكم الإداري في المنطقة .
  وتعليقاً على كلام القاضي الظافر قال رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة الباحة الشيخ / حسن سعيد الربيعي للحياة : إن بداية القضية كانت عبارة عن اختلاف في وجهات النظر ولم نتقدم بشكوى مباشرة ضد الشيخ القاضي الظافري لرئيس مجلس القضاء الأعلى وإنما كانت محاولة لإحالة القضايا المختصة إلى قاض آخر .
  وأضاف إن الشيخ الظافري فهم من خطابنا أننا نشكوه إلى رئيسه علماً بأننا لا نتهمه في دينه وأمانته لكنه "جعل من الحبة قبة على حد تعبيره" . وانتهى الخبر .
  أحببت أو أورد الخبر كاملاً وبالنص ليحكم القارئ بنفسه على ما يلي :
1-      لماذا تقدم رئيس هيئة الأمر بالمعروف والخمسة الآخرون من أعضاء الهيئة في محافظات أخرى إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى يطلب إحالة القضايا لقاض آخر مع أن رئيس هيئة الأمر بالمعروف حسين سعيد الربيعي لا يتهم القاضي الدكتور/ الظافري في دينه وأمانته ؟
2-      بما أن المسألة لدى رئيس هيئة الأمر بالمعروف مجرد اختلاف في وجهات النظر فلماذا البحث عن قاض آخر؟ فهل الأحكام القضائية الشرعية تخضع لوجهات نظر متفاوته ومتباعده إلى هذا الحد لتقديم خطاب شكوى وطلب تغيير القاضي ؟
3-      يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ادرؤوا الحدود بالشبهات: ولو رجعنا إلى النظام القضائي في الإسلام لوجدنا أن الكثيرمن القضايا ردت بسبب الشبهات ولنرجع إلى قصة الزانية التي ردها الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مره فهل تريد الهيئة من القضاة أن يصدروا أحكامهم بناءً على التقارير التي تقدمها الهيئة بلا أية اجتهادات من القضاة ؟
4-      باعتراف رئيس هيئة الأمر بالمعروف/ حسين الربيعي بتقديم خطاب الشكوى ضد القاضي/ الظافري إلى رئيس القضاء الأعلى / اللحيدان هو اعتراف مباشر بتجاوز أعضاء هيئة الأمر بالمعروف للحاكم الإداري أمير المنطقة، وتأكيد على عدم التقيد بالأنظمة والقوانين المتبعة في البلد كمنهج متبع لديهم!
5-      إن أكبر استخفاف بنزاهة وكرامة الآخرين، وحق رد الاعتبار لأنفسهم قول رئيس هيئة الأمر بالمعروف/ حسين الربيعي أن القاضي "صنع من الحبة قبة" والقاضي الظافر الذي اتهم في صحة أحكامه القضائية الشرعية والذي أثبت كيدية الشكوى من الخمسة أعضاء في هيئات الأمر بالمعروف لمحافظات أخرى لا يعرفهم ولا يعرفونه والذي يطالبون بإحالة قضاياهم لقاض غيره ويتظلمون مما يتعرضون له من تجاوزات كلامية بتهميش شهادتهم على مرتكبي الموبقات .
6-      ماذا يعني للقارئ ما ذكره القاضي/ الظافري أن هناك طلباً من هيئة الأعداء والتحقيق للخمسة أعضاء هيئة الأمر بالمعروف ولكنهم لا يستجيبون لطلب المثول أمام هيئة الأدعاء والتحقيق ؟
7-      أما القصة الأهم من ذلك فهي ما حدث لأحد المسؤولين من أبناء كبار الأسر وأعرقها في المملكة هو رجل أعمال له سمعته ومكانته ولديه من الأشغال والهموم والقضايا ما يئن منها جبل (أحد) إلا أن هذا الرجل ودون أية مقدمات فوجئ بطلب استدعائه من إمارة منطقته ليبلغ أن هناك اتهاماً موجهاً ضده من رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المدينة التي يسكن فيها بخطاب شكوى تقدم به إلى الإمارة يقول فيها "بأن صاحبنا ذو سوابق إجرامية ومطلوب أمنياً وأنه كان يقف بسيارته أمام المسجد وقت الصلاة ومعه إمرأة في حالة خلوة شرعية دون الاستناد إلى أي دليل يذكر أو واقعة أو حتى شهود فالرجل المتهم يعرف نفسه جيداً، وعندما طالب الإمارة التي تعرفه بنسخة من خطاب رئيس هيئة الأمر بالمعروف ليعرف التهم الموجهة إليه كحق قضائي وشرعي رفضوا إعطاءه نسخة من الخطاب وأبلغوه بعد ستة أشهر من الشد والجذب مع الإمارة أنهم أحالوا الشكوى إلى هيئة الأدعاء والتحقيق وعندما ذهب من يمثله وينوب عنه إلى هيئة الأدعاء والتحقيق قيل له : لا بد أن يأتي المتهم بنفسه ولا جئنا به مكبلاً ومخفوراً ؟!
  السؤال الذي يفرض نفسه في حالة صاحبنا يقول : كل القوانين والأعراف السماوية والدنيوية لا تأخذ أية شكوى دون الشهود والأدلة المادية والمعنوية وإلا أصبحت البلاد في فوضى عارمة فكل شخص يغضب من آخر ويريد أن يشغله بنفسه ويصرفه عن رزقه يكتب به شكوى ليتم إشغاله بالتحقيقات من دائرة رسمية لأخرى وأن في ذلك تطبيقاً للقاعدة الفقهية التي تقول : (أن البينة على من أدعى) فهل يسعى رجال الهيئة إلى الإصلاح والدعوة بالتي هي أحسن والمعروف؟ أم لاهم لهم سوى رمي التهم يمنة ويسرة ويشغلون المسلمين بأنفسهم ؟!
  كما أنني أتساءل : أين إمارات المناطق من هذه المسألة؟ إن أي خطاب شكوى إن لم يكن مرفقاً معه أدلة ووقائع يجب أن يرفض ولا تتعامل الأمارة معه بجدية. ولا يحق لها استدعاء الآخرين وتعطيل أعمالهم ومصالحهم بموجبه، بل لا بد أن يحاسب من يقدم خطاب الشكوى إن لم يثبت للإمارة أولاً أن لديه الأدلة الكافية والشهود لإدانة من يشتكيه ويريد الاقتصاص منه ثم إنني لا أدري كيف ترفض الإمارة الطلب الذي تقدم به صاحبنا للحصول على نسخة من خطاب الشكوى المقدم من رئيس الهيئة ليعرف الاتهامات الموجهة إليه؟ وأي منطق عقلاني وشرعي يقف وراء الرفض ففي القضاء للمدعى عليه الحق المطلق في معرفة أدق تفاصيل حيثيات الشكوى والأدلة المستنده إليها الشكوى ليدافع عن نفسه؟ إن الإمارة بهذا التصرف وضعت نفسها في دائرة الاتهام والتواطؤ مع الهيئة بعدم إعطاء المدعى عليه أبسط حقوقه وهو نسخة من خطاب الشكوى المقدم من رئيس هيئة الأمر بالمعروف. ثم كيف تكون لغة هيئة الأدعاء والتحقيق بهذا الشكل على المدعى عليه أن يحضر وإلا جئنا به مكبلا ومخفوراً؟! والسؤال الأهم: إذا كان صاحبنا مجرماً وذا سوابق ومطلوباً للقضاء كيف تتركه الإمارة يغادر بمجرد تبليغه الشكوى؟ وإذا كان ذا سوابق لا بد أن الجهات المعنية كوزارة الداخلية لديها علم بذلك وهي أولى من هيئة الأمر بالمعروف بشكواه ورفع قضية عليه..  ولكن وزارة الداخلية تقول: "ليس لدينا أي شيء على المدعى عليه" . أما التهمة الأخرى فتناقض نفسها بنفسها، فإذا لم يتم إلقاء القبض عليه فكيف عرف رئيس هيئة المنطقة أن المرأة التي معه بالسيارة لا تحل له ..هذا إذا كان بالفعل هناك سيارة وإمرأة ؟! ثم هل يعقل أن يكون هناك شخص يخرج مع إمرأة في خلوة غير شرعية ويوقف سيارته أمام مسجد وقت صلاة العصر على مرأى المصلين؟!
  إنني أعتقد أنه يجب على رجال الهيئة الذين يعملون على (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ألا يكون الأصل في عملهم والهدف منه عقاب الناس وفضحهم وتناول أعراضهم وتحطيمهم نفسياً وخاصة النساء، وكأن رجال الهيئة حاقدون على المجمتع وليس لهم أي عمل سوى تتبع النساء اللائي يتطلب التعامل معهن تغليب جانب الحكمة والستر وفق الضوابط الشرعية .
  لقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحلي بحسن الخلق وعدم الزجر والتجريح وسوء الظن في مثل هذه المسائل الحساسة التي حذر الله عز وجل من الوقوع فيها أو اتهام الناس جزافاً بها حيث قال تعالى (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا) الآية 15 سورة النساء .
  كما شدد الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً في هذا الأمر ومن بعده أصحابه الكرام حيث قام الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتنفيذ الحكم على بعض الصحابه رضوان الله عليهم بالجلد لعدم الإيفاء بالشهود الأربعة في مسألة الزنا امتثالاُ لقوله تعالى (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا) الآية 4 سورة النور .
  إن اعتراف القائمين على هذا الجهاز (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالآونة الأخيرة بضرورة العمل على تأهيل الكوادر التي تعمل في أجهزة الهيئة شرعياً ليكونوا قدوة حسنة في التعامل وتحسين أدائهم الدعوي والرفع من مستواهم العلمي من خلال تنظيم الدورات التدريبية في كافة العلوم الشرعية وفي طرق التعامل مع الجمهور وفي العلاقات العامة وحسن التصرف أثناء المواقف الصعبة حتى لا تتكرر مثل هذه التجاوزات الت تحدث كثيراً، هو اعتراف ضمني بأن هناك أخطاء وتقصيراً حقيقياً كان يحدث ولا زال وإن كنت أقول لهؤلاء المسئولين إن المسألة بأعتقادي أكبر وأعمق من مسألة التأهيل ومع ذلك نجد أن كل من يتعرض للهيئة وينتقد تصرفات بعض منسوبيها وما لهذه التصرفات من انعكاسات سلبية على صورة الإسلام وسماحته يهاجم من قبل جماعات ليس لها أول ولا آخر عبر حملات منظمة ومدروسة لها أسماء وهمية تضع بيضها الفاسد على كل ركن وموقع في الشبكة العنكبوتية لإقصاء كل وجهة نظر تنتقد الهيئة، وإذا سنحت لهم الفرصة فإن رجال الهيئة القريبة لمنزله يسعون لإلقاء القبض عليه بأية تهمة، وإرهابه بكتابه التعهدات وتخويفه بالتشهير به .
  لقد شاهد الجميع كيف هب المجتمع السعودي بكافة ألوانه وأطيافه ..النساء يتسابقن قبل الرجال للتبرع بالغالي والنفيس حملة مملكة الإنسانية لمساعدة أخواننا في باكستان بينما نجد ذات المجتمع يتناقل العديد من القصص والروايات عن (الهيئة) ويحمل صورة سلبية عن (الهيئة) وأفعال بعض منسوبيها ..فهل السواد الأعظم لمجتمع أرض التوحيد وبلاد الحرمين الشريفين يكره دينه الإسلامي ومتآمر على (الهيئة) أم أن التسلط على النساء، وتتبع أمورهن ونبش خفاياهن ومنع العوائل من الاستمتاع بالأماكن العامة مع بعضهم البعض في المدن الترفيهية مثلاُ، والمنع من دخول المطاعم أو الأماكن التجارية لأي أمرأة وأطفالها بدون محرم دون أي مراعاة لظروفها وكأن المجتمع ليست به نساء لا يوجد لديهن محرم في بعض الأوقات كأن تكون مطلقة أو أرملة .
  وحتى لا تفقد (الهيئة) الهدف من إنشائها ووجودها وتحارب من قبل المجتمع لا بد من محاسبة ومعاقبة منتسبيها الذين يتجاوزون الحدود بالأعتداء والتعرض والتشهير دون دليل أو أدنى وجه حق كما لا بد من وضع حد لبعض المنتفعين وأصحاب النفوس المريضة، والظرة الضيقة الذين ولجوا إلى (الهيئة) وكأن هدفهم الأنتقام من هذا المجتمع وبالتالي إحراج الحكومة التي تحرص على استقرار وسلامة المجتمع .

وفي الختام .. لا يسعني سوى القول أنني أحببت عبر سلسلة هذه المقالات أن أضع الصورة الحقيقية لهذه الشعيرة في ديننا الإسلامي الحنيف والقائمة على استخدام الرحمة والرفق واللين والسماحة في ممارستها وأنها مهمة وعمل ارتبط بالأنبياء والرسل المحبين لمجتمعاتهم وإن ممارستها مبنية على ضوابط وشروط واضحة وصارمة ترى في اللين والأخذ بالرفق الأصل والأساس لتحقيقها، وأن الدين الذي يحث على لرحمة بالحيوانات ويدعو للرفق بها هو دين لا يمكن بأي حال من الأحوال يدعو إلى امتهان كرامة الإنسان والإساءة لها خصوصاً إذا كان هذا الإنسان مسلماً كما أنني أنادي بعدم الخروج عن الغايات والأهداف النبيلة التي تدعو إليها هذه الشعيرة خوفاً وحرصاً على عدم إعطاء ذريعة ومدخل للهجوم على الإسلام وتعاليمه السمحاء مع تمنياتي أن يكون لرجال الهيئة والأمر بالمعروف دور مع الدولة لمكافحة الفئة التي غالباً ما تكون مقراتها المليئة بالأسلحة والذخيرة أقرب لمباني الهيئات ومقارها من الاستراحات والشقق الي يداهمونها ويعرفون خفاياها كما يدعون .؟!

السبت، 11 فبراير 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف 5-5 "الجزء الأول"


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
5-5
 30 ديسمبر 2005

  يطرح البعض تساؤلاً منطقياً يقول : لماذا يكثر الحديث عن أخطاء وتقصير (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في مجتمعنا بينما هناك أخطاء لوزارات : الكهرباء والاتصالات والمواصلات والبلديات ..وغيرها حتى داخل غرف عمليات مستشفيات وزارة الصحة وغيرها من المستشفيات الخاصة حيث تزهق أرواح وتحدث وفيات على يد الأطباء والجراحين ؟
  إن إجابتي عن هذا السؤال تقول من حيث المبدأ نتفق جميعاً على رفض حدوث الأخطاء في الأداء وعدم القبول بالتقصير في العمل أياً كان نوعه ومستواه وأهميته من قبل أي موظف في أية وزارة أو إدارة أو هيئة حكومية وأنه لا يحق لأي موظف كائن من كان تجاوز النظام أو أن يكون فوق القانون بل أن الجميع سواسية وتحت القانون في المساءلة والمحاسبة وضرورة العقاب على التقصير والخطأ .
  مما سبق يتفق الجميع معي أن الطبيب والجراح الذي يخطيء في غرفة العمليات أو يقصر وإن كانت نيته سليمة وهدفه سام (إنقاذ حياة المريض) إلا أنه قصر أو أهمل أو أخطأ أثناء العملية ليموت المريض بين يديه يجب أن يحاسب و "يعاقب" بعد أن يمثل أمام القضاء المختص وتشكل له لجنة على الفور وهذا ما يحدث في وزارة الصحة حالياً حيث يتخذ بحقه العقاب المناسب واللازم إن ثبت تقصيره وخطأه أما إذا ثبت تكرار الخطأ أو التقصير أو حتى الإهمال يوقف وتسحب منه رخصة مزاولة المهنة مع العلم أن المريض جاء إليه بمحض رغبته واختياره أو باختيار أهله وذوية المخلصين له، كما أن المريض قبل بالعملية ووقع على نسبة فشلها إن كانت تلك النسبة كبيرة أو قليلة لكن حدوث الخطأ أو التقصير أو الإهمال لا يعفيه من المحاسبة ونيل العقاب المناسب بغض النظر عن نبل وسمو نية الجراح الطبيب وقصده .
  على ضوء ما سبق وموقفنا كأفراد أو المجتمع بكامله من معاقبة ومحاسبة المهمل أو المقصر أو المخطئ أو المتجاوز من قبل الدولة مهما كان نبل وسمو هدفه ودرجة حماسه وحيث إن (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) هيئة رسمية حكومية والعاملون بها موظفون مثلهم مثل باقي موظفي الدولة لهم مناصبهم ومراتبهم ومسمياتهم الوظيفية وترقياتهم ويتسلم كل فرد منهم راتباً آخر كل شهر من الدولة ويعملون على سيارات حكومية تصرف لهم نفقة محروقاتها، كما أننا نعتقد أن تعيينهم في الهيئة جاء بناءً على التراضي بين الطرفين كما جاء بناء على شروط ومواصفات مسبقة وضعت كشرط للتوظيف كالمؤهلات العلمية وشهادات حسن السيرة والسلوك وغير ذلك من الشروط، وأن هذا الموظف يفترض به كباقي موظفي الدولة أن يكون ملتزماً بأداء عمله حسب الضوابط التي تخدم المصلحة العامة كما أن الموظف حريص على تحقيق أهداف الهيئة مثله مثل باقي موظفي الدولة إذا هو أهمل أو تجاوز أو قصر أو أخطأ، وأن يحاسب ويعاقب حتى ولو كانت نيته أيضاً نبيلة وسامية وإلا لماذا نطالب أن تعاقب الدولة الطبيب والجراح الذي أخطأ وهو من جاءه المريض إلى عيادته ولا نطالب الدولة أن تعاقب وتحاسب منتسب الهيئة إذا تجاوز أحدهم أو أخطأ أيضاً ؟! لا بل خطأ أو إهمال أو تقصير أو تجاوزات موظفي (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أعظم بالنسبة لي من خطأ الطبيب أو الجراح لأن خطأهم أو تقصيرهم كما سبق وأن ذكرت في الحلقة السابقة يمس صورة الأمة الإسلامية بكاملها وليس فرداً واحداً كما يمس صورة دين قويم وأن في هذه الأخطاء هدية ثمينة وفرصة للمتربصين بهذا الدين وأعدائه وجائزة لأولئك المغرضين والحاقدين حتى على الدولة إن أخطاء الدعاة أياً كانوا تختلف عن باقي الأخطاء لأنها بحق ديننا الذي هو عماد حياتنا وأساس وجودنا وسبب بقائنا على هذه الدنيا وليس خطأ في سفلته شارع أو تأخر في رصفه أو إنارته من قبل بلديه .
  من هنا أستغرب محاولة الألتفاف وخلق نوع من الأزدواجية في الدولة وقوانينها فالحملات التكفيرية الشرسة والهجوم والويل والثبور لمن يقف ويصرخ حرصاً وخوفاً وإخلاصاً وغيره على دينه كما هو دين أولئك الآمرين بالمعروف حين يقال لهم : لماذا الخطأ ؟ ولماذا التكرار في حدوث نفس حالات التجاوز أو التقصير التي أساءت لديننا؟ من المسؤول عن تلك الأخطاء وتحمل تكرارها؟ ولماذا لا تشكل لجنة مختصة حتى يحاكم ويحاسب ويعاقب منتسبو الهيئة إذا ثبت منهم خطأ أو تقصير أو إهمال كما أن هذا الشيء مطبق على بقية المسلمين من أبناء الدولة وموظفيها الآخرين؟ لماذا موظفو الهيئة يرفضون المحاسبة والعقاب ويربطون بين من يطالب بتطبيق ذلك عليهم بالتعدي على الدين وعلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم ويكيلون له شتى أنواع التهم؟ أين أصحاب الرأي والحكمة والعقل الراجح من كبار علمائنا للتدخل والتصحيح لإيقاف أفعال تشويهية لصورة الإسلام؟
  كما أنني اتفق من حيث المبدأ على أن القائمين على أداء رسالة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) معرضون كغيرهم من الوقوع في الأخطاء لأن الخطأ ليس مقتصراً على أهل الدعوة فقط وإنما على جميع الناس وكافة العاملين في جميع القطاعات وأصعدة المسؤوليات وهذا ليس دفاعاً عنهم إنما هي طبيعة البشر وسنة كونية ولكن مالا أفهمه وأدركة أن تتكرر نفس الأخطاء وتزداد إلى درجة كبيرة دون رادع .
  من هنا أجد أنه من الطبيعي أن تصبح الهيئة وأخطاء منتسبيها على لسان كل الناس وأن هذا الأمر يتطلب الوقوف والتنبه له من قبل الدولة، لقد أوردت إحدى الصحف المحلية مؤخراً تعرض مواطن وزوجته لأعتداء من رجلين في (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ومعهم – وللأسف – رجل أمن وقاموا بضربه وزوجته بدعوى الاشتباه بهما بينما كانا أمام شقتهما في حي (النزهة) شمال الرياض .
  فمثل هذه الحادثة وغيرها من الحوادث المماثلة الكثيرة للأسف والتجاوزات العديدة لا تصب في مصلحة الدولة ومؤسساتها مما يستدعي الوقوف عندها بكل جدية وحزم لتدارك الموقف حتى لا تتكرر مثل هذه الأعمال التي تسيء إليها فالهيئة في نهاية المطاف إدارة حكومية مسؤولة عنها الدولة كما أن الدين الإسلامي بريء من تصرفات هؤلاء وسلوكياتهم فقد دعا إلى الرفق والرحمة وحسن الخلق في التعامل فكيف بنا إذا قام الذين يناط بهم نصرة هذا الدين وتوجيه الناس إلى الرشد بارتكاب مثل هذه الأخطاء الفادحة دون محاسبة ومعاقبة ؟!
  عند قراءتي لتلك الحادثة التي أوردتها الصحيفة تأكد لي تماماً ضرورة الوقوف والمراجعة واتخاذ موقف واضح ووضع حد لمثل هذه التجاوزات التي تمس استقرار المجتمع وكيانه فالعرض والشرف أثمن وأعز مما يدافع عنه المرء ويموت في سبيله شهيداً، لذا لا بد من موقف يقول للجميع أنكم في دولة القانون وأن لا أحد فوق القانون، كما لا بد من إيقاف حملات مواقع الإنترنت والمنتديات التشويهية للصحيفة والقائمين عليها بإقفال هذه المواقع ومعاقبة أصحابها ومعاقبة من يكتبون فيها مثل تلك الإساءات التي تخلق روح العداء بين أفراد المجتمع .
  وما أن هدأت هذه القصة حتى فاجأتنا جريدة (الرياض) في عددها رقم (13698) وتاريخ (23/11/1426هـ) بأغرب منطق سمعته أو قرأته في حياتي، منطق احتقاري واستخفافي بالآخرين والمقصود بالآخرين هنا هم "سعوديون مسلمون" يقول : المواطن (ع.ن.ع) بينما كنت أسير وحدي في شارع (صفوان التميمي) بحي منفوحة الساعة التاسعة والنصف مساءً وإذا بثلاثة رجال يهجمون علي من الخلف حيث قاموا بضربي ضرباً مبرحاً ومزقوا ملابسي واقتادوني إلى سيارة مدنية وأركبوني بالقوة "وأنا في حالة ضعف وهوان من شدة ما تعرضت له من ضرب أمام أعين الناس. وبعد أن أبرز بطاقة الأحوال (هويته) وأثناء معاينتها من قبلهم قالوا بكل أسف لم تكن أنت الرجل المطلوب لدينا ونحن نعتذر إليك ونرجوا أن تقبل اعتذارنا عن هذا الخطأ.
  والسؤال الذي يفرض نفسه علينا : هل وصلت العبثية والفوضى والتعدي على الآخرين بالاعتداء عليهم حتى وإن كانو متلبسين بالجرم المشهود إلى هذا الحد؟ أليس المتهم المدان لهم حقوق لدى أقسام الشرطة سعت وزارة الداخلية لسنها وتثبيتها لدى كافة الجهات المعنية؟ أليس في هذا التصرف ضرب الحائط بكافة أعراف وقوانين الدولة ..لا بل حتى قوانين الله وتعاليم دينه وما أنزل في سنة نبيه التي اساؤوا لها بهذا التصرف المشين؟ أليس المتهم بريء حتى تثبت إدانته فما بالنا إذا كان شخص يسير في أمان الله وحده في الشارع؟ أليس في ذلك إرهاب للمواطنين الآمنين وإرعابهم وتخويفهم؟ ثم أليس إرهابهم هذا شبيه بإرهاب أصحاب القنابل وإطلاق الرصاص على الآخرين لأن لهم رصاصاً من نوع آخر أكثر فتكاً من الرصاص التقليدي؟ هل يعتقد من قام بهذا الهجوم والضرب المبرح وسحب الآخرين على وجوههم في الشارع أمام أعين الناس أنهم ليسوا بشراً وأنه لا كرامة لهم، ولا قيمة؟ وأي اعتذار يتحدثون عنه؟ لماذا لا يقدم من قام بهذا العمل المشين إلى القضاء لتتم محاكمته بصورة نظامية؟ ولكن هل سيتعاطف القضاة معهم أم مع الضحية؟ ولماذا لم نسمع منهم التزاماً بفتح تحقيق عاجل ومعاقبة من يثبت خطؤه وتقصيره؟ أليس المنطق يقول بتحمل المسؤولين في الهيئة جزءاً من هذا الذي يحدث على يد موظفيهم؟ ثم كيف يطالبون الضحية بقبول اعتذارهم ونسيان الخطأ معتبرين حسب ما ورد في خطاب اعتذارهم أن الخطأ من طبائع البشر ومنطقهم العملي يقول عكس ذلك ؟ هل هم بالفعل مؤمنون بأن تقصير الآخرين وأخطاءهم طبيعة بشرية؟ أليس في أسلوبهم هذا تعبير صارخ عن أن الأصل لديهم هو أن الناس كافة على خطأ وضلالة يجب معاقبتهم ومراقبتهم دون رحمة أو هوادة ؟
وأخيراً ..هل بالفعل لا ينقصهم سوى الدورات والتأهيل أم أن المسألة تدخل في منطق أكبر بكثير من الدورات ؟

يتبع ..والختام ..