الجمعة، 10 فبراير 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف 4


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
4-5
23 ديسمبر 2005

  تناولت في الحلقات الثلاث السابقة عدة أمور أهمها أن عمل (الحسبة) أي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من أعظم المهام الجليلة والعظيمة التي يقوم بها الإنسان المسلم المؤمن وأن هذا العمل ارتبط أصلاً بـ(الرسل) فالدعوة إلى الله ودينه ليست أمراً مطلقاً يفعله كل من شاء بل إن لها "شروطاً" و "ضوابط" لا بد من تحققها و "صفات" يتحتم توافرها في الداعية لكي يحقق الهدف السامي الذي يصبو إليه . لا بد لي أن استعرضها في سياق سلسلة مقالات هذه لنقارنها جميعاً بمدى ما هو واقع على الأرض ومعمول به من قبل الجهات المعنية في انتقائية رجال الحسبة واختيارهم لهذا العمل؟ وما مدى التزام من يمثل الدعوة في عصرنا الحالي بضوابط وشروط ممارسة مهمة الرسل صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين ؟ على النحو التالي :
أولاً : أن يكون "المحتسب" مسلماً لأن الحسبة تهدف إلى إصلاح الناس وحماية الدين ولا يقوم بهذا إلا مؤمن بالدين وأن يكون المحتسب عاقلاً يميز بين الخير والشر، والحلال والحرام وأن يكون عادلاً يعمل بما يأمر الناس به ويدعوهم إليه، وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارفاً عالماً بالمعروف الذي يدعو إليه والمنكر الذي ينهى عنه لأنه إذا لم يكن عارفاً بهما لا يؤمن أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف حيث قال تعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ. يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) الآية 116 سورة النحل .

ثانياً : يجب على الداعي بالمعروف أن يكون بصيراً بالأمور وعواقبها فيعرف ما قد يترتب على أمره ونهية بحيث يعرف موقع ما يقوم به هل يؤدي أمره ونهية إلى منكر أكبر فيحجم فيدرأ السيئة الكبرى بالسكوت عن الصغرى فلا ينهى عن شرب خمر وهو يعلم أن نهية هذا سيؤول إلى قتل نفس معصومة مثلاُ، وقد استدل العلماء في ذلك بقول الله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) الآية 109 سورة الأنعام .

ثالثاً : يتطلب الأمر كذلك أن يكون (المحتسب) على علم بحال المدعوين  وأعرافهم ونفسياتهم وتقاليدهم وعاداتهم بحيث يأتيهم من المدخل الذي يسهل انصياعهم لدعوته وعدم نفرتهم منه وهذا مهم جداً لكل داع إلى خير ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" وهي الإبل النفيسة. فالجاهل بأحو المدعوين لا يؤمن أن يحصل له عكس ما قصد وربما نشأت عن دعوته مفاسد كبيرة تضر بالإسلام والمسلمين .

رابعاً : ينبغي على الداعية أن يكون طويل البال واسع الصدر لا يتسرع بالإجابة وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة فإنه لما خرج من الطائف بعدما آذته ثقيف ولم يستجيبوا لدعوته بل ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه فأتاه "ملك الجبال" وقال له إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أعمل بأمرك أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين (الجبلين العظيمين) فقال عليه الصلاة والسلام : لا لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً .

خامساً : يجب على الداعية أن يتدرج في "أمره" و "نهية" بحسب حال من يدعوهم ويجعل نفسه بمثابه الطبيب مع المريض الذي قد يؤجل العلاج عنه فترة ثم إذا كان مهيئاً بدأ بعلاجه ولكن على جرعات قد تمتد أياماً وليالي وقد تستمر شهوراً بل قد تمتد سنين طويلة بحسب المرض والداعية البارع يقدر حال المدعوين إذا قد يكتفي في البداية بالأتصال بهم ومخالطتهم وإيناسهم وإذا ما رأى أن الفرصة سانحة بدأ شيئاً فشيئاً وأن يبدأ بالأهم قبل المهم ويأمر بالأركان قبل الواجبات وبالواجبات قبل المندوبات وينهى عن الموبقات من الكبائر قبل المحرمات الدنيا وهكذا وقد علم هذا من منهجه صلى الله عليه وسلم فقد مكث في مكة زهاء ثلاثة عشر سنة وهو يدعو إلى التوحيد ومكة تمارس فيها صنوف المعاصي .

سادساً : يستدعي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أن يكون القائم بهما رفيقاً حليماً متسامحاً وأن يتجنب "العنف" لأن العنف لا جدوى منه بل هو ضار وكثيراً ما يأتي بأوخم العواقب لا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه المتعلمون والمثقفون الذي يحتم المدخل إليهم التعامل معهم بالحوار الهاديء الرقيق بعيداً عن القسوة والحدة حتى لا ينفروا أو ينأوا بأنفسهم عن الخير وصدق الله في قوله (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) الآية 159 سورة آل عمران .

سابعاً : نشير هنا إلى ضرورة أن يتحلى الداعية بالصبر وتحمل ما قد يلاقيه من العنت والتعب ويعلم أنه قد يؤذي بالكلمة أو بالإشارة ولذلك لا بد له من الصبر أما من يتحمل هذه المسؤولية ثم تحدث له فتنة إذا أوذي أو أسيء إليه فيثور ويقوم بالأنتقام من خلال السلطة التي يتمتع بها كرجل حسبة فهذا ليس مرشحاً لهذه المهمة ويجب عليه أن يأخذ بقوله تعالى (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) الآية 3 سورة العصر .

ثامناً : يجب على الداعية أن يدفعه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) دافع الإخلاص لدينه والإصلاح للمجتمع بعيداً عن المطامع الدنيوية وبهذا الأسلوب سيسدد بإذن الله ويوفق وسيعدل في الناس فلا يعامل أحداً بشراسة وعنف، وقهر وقوة بل يتعامل مع الآخرين باللين والسهولة و التسامح ونحذر في هذا المجال من صاحب الطمع المادي الذي ربما يجره طمعة ليقول : إن هذا المنكر معروف ويبرر للعاصي معصيته ويكون ذلك من المصائب الكبرى التي تحدث في المجمتع .
  وعلى الداعية المخلص أن يحتسب أجره على الله وأن يسهر ويتعب ويتواضع للخلق ويرحمهم ويبذل ما يستطيع لإيصال كلمة الحق إلى المحرومين منها وأن يأخذ بمبدأ القدوة الحسنة : فالقدوة الحسنة قد تؤثر في النفس أكثر الأحيان أكثر من الكلمة ولذا لا بد من أن يكون ملتزماً في نفسه كما قال الله تعالى عن شعيب (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ) الآية 88 سورة هود . بل إن الله عز وجل ذم الذين تخالف أفعالهم أقوالهم في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) الآية 2 سورة الصف .

تاسعا : ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على جانب من الدين والخلق والصفات الجميلة الأفعال الحميدة وأن يكون بعيداً عن التشدد والتكلف وأن يتصف بما يأمر به بعيداً عما ينهى عنه . وأن يكون عمله تحت ضوابط وشروط وتحت قيادة ذات خبرة ومعرفة في هذا المجال مع التنبيه إلى عدم "اندفاعهم" و "تحمسهم" على وجه يترتب عليه مضار ومفاسد تشوه وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضضعف الإيمان" .
  فيشرح العلماء هذا الحديث إلى أن "الدرجة الأولى" هي مهمة الولاة والمسؤولين أي الإمام (إمام المسلمين) ومن ينوب عنه في هذا الباب وقضية التغيير باليد يسبقها (الإعلام والتوجيه والتوعية) إذا لا يؤخد الناس على غرر وعلى جهل ولا بد من دراسة سبب المنكر ثم معالجته بالتوجيه و النصيحة أولاً ثم بالعفو ثانياً إلا في ما لا يعذر فيه كسرقة مثلاُ أو زنى أو شرب خمر وغير ذلك من المنكرات المعروفة من الدين بالضرورة فهذه عندما يقارفها شخ في بلد إسلامي يطبق عليه الحد وهذا شأن ولاة الأمر .
أما "الدرجة الثانية " فهي للعلماء" وطلبة العلم والدعاة والعارفين بالأحكام الشرعية فهؤلاء لهم الحق أن يبينوا حكم الله ولكن بالأساليب المرغبة كل على قدر عقله وفهمه فإذا خاطبنا عالماً بدين من الأديان لا يكون وزنه كالجاهل ولعل قصة (معاذ) رضي الله عنه عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له : إنك ستأتي قوماً أهل كتاب يعني تهيأ لهم بالإجابة عن تساؤلاتهم ومناقشتهم فيهم سيناقشونك عن علم بالكتاب فإذا لم تكن مؤهلاً فلا يجوز لك أن تدخل معهم في حوال ولهذا قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) الآية 64 سورة آل عمران .
  وهذه المرحلة هي مهمة أناس معينين وليست الغوغائيين ولا الجاهلين ولا العابثين أو منتهزي القرص إذ قد يدخل في هذا الباب بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من له أغراض سيئة في المجتمع يريد إثارة الشبهات أو تفكيك الأمة وتمزيقها من الداخل أو التحريض بين الناس وإثارة العصبيات والمذهبيات أو من ليس لديه القدرة على بيان الحقيقة فيسيء إلى الدين أكثر مما يحسن .
أما "المرحلة الأخيرة" فهي الإنكار بالقلب وهذا لكل مسلم ومسلمة فإن لم تكن مسؤولاً تنفيذياً أو عالماً شرعياً وترى أن هذا حرام بحكم فطرتك السليمة وبحكم ما تسمعه من الموجيهن والمعلمين فموقفك هنا موقف المتألم قلبياً والقصد منه هو إعتقاد حرمة هذا الحرام وإعتقاد عدم مشروعيته فإن رأيت ارتكاباً للمنوع ضاق صدرك وتألمت وظهرت  الإنكار عليك فهذا من دلائل الإيمان .
  وهذه الدرجات الثلاث تجعل الأمة كلها مشتركة في شعيرة الحسبة لكن كل على حسب قدرته وقال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) الآية 16 سورة التغابن .
  فعمل اليد ليس عمل كل واحد من الناس يتصدى لذلك حسب هواه وإنما هي لا تتأتي إلى ممن وضعت بيده هذه المسئولية وهؤلاء لهم حق الإتلاف أو الضرب أو التأنيب أما عامة الناس وطلبة العلم فليس من حقهم أن يسارعوا إلى ذلك إذا لم يؤذن لهم فيه من قبل السلطة القائمة على أمر الدين لأنه في حال وقوع ذلك يحدث شر وفتنة وفوضى في المجتمع .
  وإن أمر "الحسبة" وهو فرض كفاية يرى العلماء الدول التي لا تهتم بهذا الأمر لا تجند له أشخاصاً أو تأذن لهم بأن يكون فقط بالكلمة والنصيحة التي تلقى في وسائل الإعلام والمناهج التعليمية وفي الأندية وغيرها في تلك المجتمعات فإن القدوة الطيبة التي تتمثل بحسن السلوك والسمعة والمعاملة الحسنة ستكون خير داعية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
  مما سبق .. لا شك أن العديد من الأسئلة ستقفز إلى ذهن القارئ أياً كان هذا القارئ ومنها على سبيل المثال لا الحصر : أين القائمون على عمل الدعوة والممارسون للحسبة في يومنا هذا من هذه الشروط وتلك الضوابط ؟ وكيف يحاسب الدعويون عما مضى ووقع وما يقع وما قد يقع في المستقبل من قبل موظفيهم العاملين معهم في هذا الحقل من أخطاء أو حتى تقصير نتيجة عدم مراعاة هذه الضوابط وتلك الشروط ؟ ثم هل يجوز لنا المقارنة بين ما هو معروف عن عمل "الحسبة" و "المحتسبين" وهم من زهدوا في هذه الدنيا تقرباً وتحسباً لما عند الله أولئك الذين احتسبوا أجرهم عند الله في (عدوتهم للناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فهؤلاء موظفون لهم مناصبهم ومراتبهم الوظيفية وترقياتهم يتسلم كل فرد منهم راتباً آخر كل شهر من الدولة ويعملون على سيارات حكومية تصرف لهم نفقة محروقاتها أي أنه موظف حكومي كأي موظف في إدارات الدولة ووزاراتها عليه أن يكون مؤهلاً للوظيفة وملتزماً بشروطها وحريصاً على تحقيق أهدافها إذا هو قصر أو أخطأ يعاقب وإذا أحسن يكافأ ؟ ما الذي يهدف إليه القائمون على الهيئة من هذا التجاهل والإهمال أو الإخلال بهذه الضوابط والشروط من قبل السواد الأعظم من العاملين في هذا الحقل "الحساس" الذي يمثل واجهة الإسلام وصورته وأسس تعامل أعظم دين وخير أمة مع البشرية جمعاء بكافة أطيافها وصورها وألوانها ؟ من المسؤول عن أخطاء هؤلاء العاملين أو حتى تقصيرهم ؟
  لأن أخطاءهم أو تقصيرهم يمس كيان أمة وصورة دين قويم ..لأن أخطاءهم هدية ثمينة وفرصة للمتربصين بهذا الدين وجائزة لأولئك المغرضين ..لأن أخطاءهم من الصعب أن لم يكن من المحال إصلاحها لأنها أخطاء مع البشر وليست مع الحجر أو الشجر ليست أخطاء وزارة في إيصال خدمة أو مقال في مبنى ..هي أخطاء تحتلف عن باقي الأخطاء لأنها بحق ديننا الذي هو عمال حياتنا وأساس وجودنا وسبب بقائنا على هذه الدنيا الفانية وسعينا فيها .
  والسؤال الأعظم الذي يحرقني ويؤرقني هو :
  إذا اتفقنا أن الخطأ شيء طبيعي حدوثه لمن يعمل وينتج إلا أنه من غير الطبيعي أن تتكرر الأخطاء ذاتها وبنفس الصورة والصيغة والمشهد .. فلماذا لا يستفاد من دروس حدوثها ؟ ولماذا تتكرر بشكل دائم ومستمر ؟!

الخميس، 9 فبراير 2012

عمل الحسبة ..والخروج عن الغايات والأهداف 3


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
3-5
 16 ديسمبر 2005

  أشرنا في الحلقتين السابقتين إلى أن الأصل في دعوة ديننا الإسلامي الحنيف إلى إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "أن تكون بالرفق واللين، والتسامح في التعامل والرحمة في كل شيء، وأثبتنا بالأدلة القاطعة من القرآن والسنة النبوية الشريفة أن ذلك جوهر أخلاقه ونهى عن القسوة وذمها وذم من أتصف بها لأن أمة الإسلام مأمورة بالرحمة وموصوفة بها بل إن الرسالة الإسلامية نفسها قائمة على الرحمة وهي الرحمة ذاتها كما جاء في القرآن الكريم فقد خاطب الله رسوله بقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ) "الآية 107 سورة الأنبياء" فهو ليس رحمة لجنس العرب أو الشرقيين أو حتى المسلمين وحدهم بل هو رحمة للعالمين أجميع رسالة للجن والإنس على حد سواء (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) "الآية 56 سورة الذاريات" .
  كما أكدنا أن دعوة الإسلام رسالته للناس جميعاً وفي كافة أرجاء المعمورة وأن الرحمة هم الذين آمنو به وأتبعوه واهتدوا بهديه فهم يعيشون في جو هذه الرحمة إيماناً وتعبداً وفكراً وخلقاً وسلوكاً وتعاملاً فان ذلك يعظم من مسؤولية (أمة الإسلام) وهي (الأمة الوسط) التي حملها الله هذه الأمانة في البلاغ بالوسطية والاعتدال ونبذ الغلو والتطرف والتشدد واتباع الحكمة و الموعظة الحسنة في توعية الآخرين وإرشادهم إلى سماحة الدين القويم دين الإسلام الحنيف استجابة لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) "الآية 143 سورة البقرة" .
  وفي هذه الحلقة أود التأكيد على مبدأ من مبادئ وقيم تعاليم الدين الإسلامي السمحاء الذي حثت على الدعوة إلى الرحمة والترغيب في التخلق بها ومعاملة المخلوقات جميعاً حتى (الحيوانات) على أساسها والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة كما وردت في كتاب (الترغيب والتهذيب) "للإمام المنذري" في فضل الرحمة والترغيب فيها وشمولها للإنسان ولا سيما الضعفاء من الخلق وكذلك (للحيوانات) التي تؤكل أو تركب والتي لا تؤكل ولا تركب مثل الهر والكلب ولا أحسب دينا من الأديان يشتمل على هذه الوصايا المكررة المؤكدة ترغيباً في الرحمة والشفقة على خلق الله ومخلوقاته وترهيباً من الشدة والقسوة على عباد الله من الدين الإسلامي بل إن الدين كله كان رحمة للعالمين .
  قال تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) "الآية 38 سورة الأنعام" فله حق الرفق والرحمة كحق الإنسان "الراحمون يرحمهم الرحمن" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم، بل أن الرحمة بالحيوان قد تدخل صاحبها الجنة "بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطس فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: بلغ هذه الكلب من العطش مثل ما بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله تعالى فغفر له قالوا : يا رسول الله وإن في البهائم أجر ؟ فقال : في كل ذات كبد رطبه آجر" .
  كما أن القسوة على الحيوان تدخل النار "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" أخرجه البخاري ومسلم، وتمضي الشريعة في تشريع الرحمة بالحيوان فتحرم المكث طويلاً على ظهرة وهو واقف فقد قال صلى الله عليه وسلم : لا تتخدوا ظهور دوابكم كراسي" ويحرم إجاعته وتعريضه للضعف والهزال فقد مر عليه السلام ببعير قد لصق ظهره ببطنه فقال : اتقوا الله في البهائم المعجمة فأركبوها صالحة وكلوها صالحة" كما تحرم إرهاقه بالعمل فوق ما يتحمل : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستاناً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي حن وذرفت عيناه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح دموعه ثم قال : من صاحب هذا الجمل ؟ فقال له عليه الصلاة و السلام : أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه" (أي تتعبه بكثرة استعماله) رواه أحمد وأبو داود .
  وأنا هنا بإيرادي وإشارتي (للحيوانات) ودعوات الإسلام للرحمة والرأفة بها أحاول لفت الانتباه ..أحاول التأكيد والتذكير والعودة إلى جوهر الإسلام وحقيقته ..فموقف الإسلام ودعوته للتعامل بالرفق مع هذه الحيوانات ..هذه المخلوقات التي لا عقل لها ولا كرامة ..إذا كان يأمرنا بوضوح وصراحة بالرفق والرحمة بها والشفقة عليها فكيف يتم تجاهل ذلك مع (الإنسان) المسلم الذي له عقل وصاحب الكرامة ؟ ومن قبل من ؟ ولمصلحة من يتم هذا التجاهل ؟ فالأسلوب والمشهد الحالي والصور التي لا تحمل لنا في وقائعها اليومية سوى المصادمات والمشاجرات والمضاربات وتبادل الاتهامات واستخدام العنف بالأيدي حتى وصلت الأمور بنا إلى المطاردة والملاحقة بالسيارات وصدم الآخرين بها واقتحام المنازل والبيوت والاستراحات وحتى إن قلت إطلاق النار فلن أكون مبالغاً على يد من يدعو إلى (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إنني عندما استشهد بموقف الإسلام من (الحيوانات) أشعر بالأسى والحرقة والحزن فهذا الدين العظيم الذي سبق كافة الشرائع السماوية والوضعية في المطالبة بحقوق الحيوان والرأفة واللين والعناية به يمارس هؤلاء بأسمه أبشع الأساليب وأبعدها عما يأمرنا به ويسعى له ألا وهو العنف وعدم الرحمة والقوة والغلظة والتعسف والتشهير بالمسلمين ..إن تصرفات هؤلاء تدعوني للضحك والبكاء في ذات الوقت ! والتساؤل : أين يريد أن يذهب هؤلاء بأعظم دين دعا دعا لعدم الإساءة بـ(الظن) ..؟ واللين في الدعوة . أي دين نتحدث عنه وندعو الآخرين من المسلمين وغير المسلمين للإقبال عليه والدخول فيه ومشاهد التخويف والترهيب التي يقوم بها غالبية (الآمرين بالمعروف) في الأماكن والمرافق العامة، وأمام أعين كافة شرائح المجتمع ومن هو خارجه من غير المسلمين الذين يحبسون أنفاسهم وهم يرون نظرات الاتهام والتشكيك والتوجيش والمساءلة للزوج والزوجة كل على أنفراد من قبل هؤلاء ؟!
ألا يدرك هؤلاء أن عمل (الحسبة) والدعوة إلى الله ودينه من أعظم وأجل الأعمال وأنها مهمة الرسل وأتباعهم وهي بالنسبة لحياة الناس كالماء للحياة والشمس لإضاءة الكون لا غنى للناس عن ذلك لنجاتهم وإصلاح حالهم في الدنيا والآخرة ومن أجل هذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بل أن الدعوة إلى الله تعالى أعظم الأعمال على الأرض وهي أحد أسباب خيرية هذه الأمة حيث قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) "الآية 110 سورة آل عمران"
  ألا يعي هؤلاء أنه لكي تؤدي هذه الشعيرة يجب أن تتسم الدعوة (بالحب) فالواجب على من يدعو أخاه أن يحبه أولاً وأن يشفق عليه وأن يظهر حرصه وحبه له ونبي الله نوح من الأنبياء الذين صرح بحبه وحرصه على قومه في قوله تعالى (بَلِّغُكُمْ رِسلَتِ رَبى وَ أَنصحُ لَكمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) "الآية 62 سورة الأعراف" .. والسؤال للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر : من كان قوم سيدنا نوح عليه السلام ؟ فحين يرى (المدعو) خوف (الداعية عليه) يترك هذا مردوداً نفسياً إيجابياً فيه فإن كان غيره يخاف عليه فكيف لا يخاف هو على نفسه وإن كان الغير يحب له الخير فكيف لا يحبه هو لنفسه ؟!
  فعلى سبيل المثال : إذا إرادت سيدة دعوة أختها للبس الحجاب والالتزام به عن قناعة مطلقة لا بد لها أولاً من فتح باب الصحبة الطيبة والمعاشرة الكريمة والسؤال عنها دائماً وتفقد أحوالها حتى يصل الأمر إلى درجة من المودة والمحبة والقبول بينهما وأن تثق في الداعية وأخلاقها وحسن نيتها بالحرص عليها وأن ترى فيها الصاحبة التي تتمناها فإن وصلت العلاقة إلى هذه المرحلة فقد وصلت إلى درجة (الحب) فتجد الأخت في نفسها قبولاً لكلام الداعية فإذا وجد الحب والتقدير بين الداعية والمدعو انتقل الداعية بالمدعو إلى حب الله سبحانه وتعالى وتذكير المدعو بنعمة وفضله وكرمه ومنه عليه وأن تأخذ حياة المدعو الشخصية نماذج لكرم الله عليها وأن تذكرها به حتى يوصل الرابط الذي انقطع بينها وبين الله .
  وأن تتبع تلك الخطوات بأمثلة : بأن تضرب الأخت الداعية نماذج لأخوات محجبات يمثلن قدوة للنساء والفتيات في التفوق الأخلاقي والعلمي والثقافي والمهاري فإن الإنسان بطبعه يميل لمن هو خير منه ومن هو متفوق عليه في كثير من مجالات الحياة وأن الحجاب لم يكن يوماً ما نعاً من التفوق في الحياة ولا من أن تتمتع الفتاة بحياتها وفق ما رسم لها القرآن الكريم وبذلك ستنجح بالرفق واللين وبكل سهولة في إقناعها بإرتداء الحجاب دون أن تبدأ بالتهجم عليها والإنكار الشديد بأنك سافرة ومتبرجة ولا تعرفين أمور دينك ولا يصلح الجلوس معك وغير ذلك من ألفاظ الهجوم المنفرة .
  أوردت هذا المثال عامداً متعمداً وفي هذا الجانب بالذات لأن ما يمارس ويحدث حالياً على يد غالبية من يمارس الدعوة هو العكس تماماً وللأسف الشديد مما جعل الإسلام كدين يدفع ثمن أخطاء وتخبط هؤلاء حتى كثرت الأحداث والقضايا والصور التي شوهت الوجه الحقيقي لديننا الإسلامي الحنيف وسماحته ورفقه ولينه ولما وجهنا به من أسلوب في الدعوة .
  ورغم الحاجة الماسة في هذا الزمان إلى شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكثرة الجهل وقلة العلم بالدين وغفلة الكثيرمن الناس عن أمور الدين وانتشار الشرور والفساد وكثرة دعاة الباطل وقلة دعاة الخير إلا أنه يجب أن تكون الدعوة بالمعروف من خلال الكلمة الطيبة وبالرفق واللين وانتهاج سماحة وتعاليم الدين الإسلامي في ذلك وإظهار اللطف في الدين الإسلامي الصالح لكل زمان ومكان فهو خاتم الرسالات ، لعم الفائدة ويتم إيصال صوت الحق ورفع كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في كافة أرجاء المعمورة بكل تقبل وترحية .
وللحديث بقية ..
  

الأربعاء، 8 فبراير 2012

عمل الحسبة ..والخروج عن الغايات والأهداف 2


عمل الحسبة ..
والخروج عن الغايات والأهداف
 2-5
10 ديسمبر 2005

  أكدنا في (الحلقة الأولى) أن أمر الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر يقوم على الرفق واللين،، والرقة، والرحمة ولا يقوم على العنف والشدة والغلظة والنقمة والتشهير امتثالاً لقوله تعالى عندما بعث سيدنا (موسى) وأخاه (هارون) إلى (فرعون) وهو طاغية ومتجبر في الكفر ولكن رغم ذلك أوصاهما الله بتليين القول له في الدعوة حيث قال أعز من قال (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى،  فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) "الأيتان 43 و 44 سورة طه" . فإذا كان هذا الأسلوب الذي يأمر به رب العالمين نبيه (موسى) عليه السلام مع أكبر طاغية لم تعرف البشرية على مر التاريخ مثل تطاوله وطغيانه وفساده في الأرض . من هنا ألا يحق لي أن أتساءل عن شكل وصورة الدعوة ومستوى الرفق واللين والرحمة إذا كانت من مسلم لأخيه المسلم الذي ارتكب معصية ؟ ألم يقل الطاغية (فرعون) أنا ربكم الأعلى ومع ذلك يأتي التوجيه الرباني باستخدام القول اللين ؟ّ! فمن باب أولى أن يكون ذلك ديدن كل الدعاة والذين نذروا أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
  من هنا نقول : إن الأصل في الدعوة أن تكون بـ(الحكمة) والتي تعني (الخطاب) الذي يقنع العقول بالحجة والبرهان، والدليل واتباع الموعظة الحسنة، وهي (الخطاب) الذي يؤثر أيضاً في القلوب رغباً ورهباً والجدال بالتي هي أحسن من خلال (الحوار) مع المخالفين بأحسن الطرق وأرق الأساليب التي تقربهم من  الله سبحانه وتعالى ولا تبعدهم عن دينه وتنفرهم وتكرههم ..إنها دعوة بعيده كل البعد عن إهانة المسلمين والمسلمات وإذلالهم وتهديدهم بالبطش بهم وإرعابهم بالتشهير بهم وفضح سترهم وتخويفهم بقوة السلطة التي بين يديهم .. تلك السبل التي سرعان ما يزول تأثيرها إن لم تكن نتائجها عكسية تماماً على الفرد المسلم والمسلمة .. لا بل قد تشوه الدين الإسلامي وحقيقة صورته التي نجح أعداء الأمة في توظيف أفعال هؤلاء و الاستشهاد بها في مشاريعهم التي تقوم على تشويه صورة الإسلام و المسلمين وكأن هؤلاء – وللأسف الشديد – يعملون بطريقة غير مباشرة لخدمة أعداء الأمة من المسلمين أصحاب التيارات الليبرالية والعلمانية وكذلك الآخرين من غير المسلمين كلهم وجدوا في اقتناص أساليب العنف والشدة والغلظة والإذلال والإرهاب ضالتهم المنشودة والمادة التي لا بد من رصدها وتظيفها لخلق حالة من الكره والحقد وتطفيش الناس من الدين والمتدينين ودفعهم إلى الإنحلال الخلقي والإنفلات نكاية ورداً على هؤلاء ..وهنا تتجلى عظمة الإسلام وحكمتة في التشديد على اللين والرفق والموعظة الحسنة في الدعوة لكي لا تستثمر الأساليب التي تخرج عن هذا الأسلوب للإساءة والتشوية لحقيقته وجوهره كدين أممي عالمي .
  لقد علمنا القرآن الكريم وهو يعرض لنا قصص الرسل عليهم السلام، بأنهم خاطبوا أقوامهم بالحسنى واجتهدوا في ذلك أيما اجتهاد أولئك الأقوام الذين كانوا يشركون بالله ويعبدون الأوثان من دونه (  قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)) "الآيات 2 – 4 سورة نوح" وكذلك في سورة نوح يقول الله تعالى (ذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) "الآيات 105-109 سورة الشعراء" لقد جاءت كل صيغ الدعوة بصيغة العقل والمنطق الخطابي ورقيقة بأمر الله سبحانه وتعالى .
  وقيل في المأثور إن رجلاً دخل على (المأمون) يعظه فقال له : اتق الله أيها الظالم الفاجر فقال له المأمون – وكان على علم وفقه : يا هذا : إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق واللين بعث (موسى) و (هارون) وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني وقال (فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) "الآية 44 سورة طه" .
  ومن قراء سنة الرسول الكريم (القولية) ممثلة في أحاديثه عليه الصلاة والسلام أو قرأ سنته (العملية) ممثلة في سيرته صلى الله عليه وسلم الطاهرة يجد أسلوب الرفق واللين واللطف في الدعوة والمعاملة شديد الوضوح والعمق في أخلاقه عليه الصلاة والسلام وإنه يدعو دائماً إلى الرفق وينكر العنف حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) وذكر أن سبب ورود هذا الحديث كما رأته وروته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فهي شاهد عيان وكما رواه البخاري في صحيحه : قالت : أستأذن رهط من (اليهود) على النبي فقالوا (أي للنبي) : السام عليك فقلت : بل عليكم السام واللعنة فقال : يا عائشة : إن الله يحب الرفق في الأمر كله قلت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال : قلت : وعليكم فهؤلاء اليهود من سوء أدبهم لووا ألسنتهم وحرفوا الكلم فبدل أن يقولوا : السلام عليك قالوا : السام أي الموت والهلاك ولكن الرسول الكريم من حسن أدبه وعظمة خلقه لم يرد أن يجعل من ذلك معركة بل رد بهذه الكلمة النبيلة قائلاً : (وعليكم) أين أن الموت مكتوب على كل البشر علينا وعليكم ثم علم عائشة هذا الأدب الرفيع أدب الرفق في التعامل حين قال لها (يا عائشة : إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) .
  إن هؤلاء كانوا (يهوداً) ولكن رغم ذلك رفق بهم الرسول صلى الله عليه وسلم رغم خبثهم والدعاء عليه لعلهم يهتدون أو ينقادون للحق أو يستجيبون لداعي الإيمان فهكذا (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يتحرى الرفق والعبارات المناسبة والألفاظ الطيبة عندما يكون مع يهودي أو نصراني في المجلس أو في الطريق أو في أي مكان يجب أن يدعوهم بالرفق والكلام الطيب حتى ولو جادلوه في شيء خفي عليهم أو كابروا فيه يجب أن يجادلهم بالتي هي أحسن استجابه لقوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) "الآية 125 سورة النحل" . مما سبق يتضح لجميع المسلمين حقيقة المنهج الإسلامي في الدعوة مع غير المسلمين من اليهود فما بالنا إن كانوا من إخواننا المسلمين !
  قال الرسول الكريم أيضاً ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه) وقال (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه) ..وفي حادثة أخرى تبين كرم النبي صلى الله عليه وسلم ورقه أسلوبه في الدعوة عندما قدم إعرابي إلى مسجد الرسول و (بال) في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه ويضربوه فقال النبي : (دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) وقال الرسول (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا) .
  وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (ما خير رسول الله بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما مالم تكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه وما أنتقم رسول الله لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى) فتلك هي السيرة العطرة للرسول صلى الله عليه وسلم التي يجب أن يتبعها رجال الحسبة في كل زمان ومكان كما يجب أن يضعوها نصب أعينهم حتى يتم إيصال الدعوة بأفضل السبل وأنجح الطرق .. وهذا ما فقدناه اليوم .
  وبما أن المقام مقام تعليم ودعوة وإيضاح للحق فإنه يتطلب أن يكون بالتي أحسن لأن هذا أقرب إلى طريق الخير، حيث قال سفيان الثوري رحمه الله "ينبغي للآمر والناهي أن يكون رفيقاً فيما يأمر به رفيقاً فيما ينهى عنه عدلاً فيما يأمر به عدلاً فيما ينهى عنه، عالماً بما يأمر به عالماً بما ينهى عنه، فهكذا كان السلف – رحمهم الله – يتحرون (الرفق) مع العلم والحلم والبصيرة ولا يأمر ولا ينهى إلا عن علم لا عن جهل ويكون مع ذلك رفيقاً عاملاً بما يدعو إليه تاركاً ما ينهى عنه حتى يقتدى به الناس وأن يكون نموذجاً يحتذى به في التعامل والأخلاق الفاضلة .
للحديث بقية ..

الثلاثاء، 7 فبراير 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
1-5
2 ديسمبر (كانون الأول) 2005

مما لا شك فيه أن شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تعد من أهم شعائر الدين الإسلامي الحنيف، التي يتم من خلالها الدعوة إلى الله وحفظ حقوق المجتمع المسلم، ونشر الهدى والخير بين الناس على هدى كتاب الله العظيم (القرآن الكريم) وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم المطهرة لنشر الفضيلة والمحبة والتعاون والتعاضد والتكاتف بين المجتمع المسلم لتنعم الأمة الإسلامية بحياة كريمة وتحقق الأمن و الاستقرار والرخاء، وللمحافظة على المجتمع المسلم من أخطار المعاصي والمنكرات والوقوع في المحرمات.
  وتؤدي شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتي تعرف (بالحسبة) دوراً هاماً في حياة الأمة الإسلامية، حيث تعرف (الحسبة) بأنها عمل يراد به احتساب الأجر والمثوبة لوجه الله وحدة لا شريك له دون أي غرض دنيوي سواء كان مادياً أم معنوياً بل هو مرتبة إيمانية متقدمة لا يصل إليها إلا من تفقه في الدين وتعمق في فهم أحكامه، ووجد في نفسه التأهيل الديني والطاقة الجسدية والمعنوية والصبر والتحمل ومعالجة الأمور بالحكمة والروية والبصيرة، وكذلك لا بد أن تكون لديه القدرة على الإقناع والتأثير في الآخرين عبر المعروف.. إنه الزهد في الدنيا من أجل الآخرة.. فـ(الحسبة) تحتل مكانة رفيعة في الإسلام استجابة لقول الله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) "الآية 104 سورة آل عمران" وقال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) .
  و(الحسبة) هي أحدى مقاصد الأنبياء عليهم السلام، لأن مهمة التبليغ وتبصير الناس بالخير من المهام التي بعث بها الله تعالى الأنبياء أجمعين، وبها يتم إصلاح الدين والدنيا للناس ومحاربة الضلالة والفساد والجهل وتسعى إلى المحافظة على عقائد المسلمين من الإنحراف وعباداتهم من الابتداع، ودنياهم من الفساد، وبها تتم المحافظة على الأداب العامة والمعاملات التجارية والأمن والسلامة في المجتمعات .
  ويعتبر القيادم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم ومهامه العظام التي بشر بها عندما قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ) "الآية 157 سورة الأعراف" .
  كما أن (الحسبة) من صفات عباد الله المؤمنين التي مدحهم بها، والتي تميزهم عن المنافقين في قوله سبحانه (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) "الآية 71 سورة التوبة" حيث قال عن المنافقين :
(الْمُنَـفِقُونَ وَالْمُنَـفِقَـتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ) "الآية 67 سورة التوبة" .
  وقد ذكر سبحانه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات الصالحين الذين يطمع كل مسلم أن يكون منهم فقال الله عز وجل :
(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللَّهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ) "114 سورة آل عمران" وجعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب الخيرية لهذه الأمة، في قوله تعالى (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) "الآية 110 سورة آل عمران).
وأن (الحسبة) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنصر والتمكين في الأمة، وواجب من واجبات من مكنة الله في الأرض كما قال تعالى (لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ(40)الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) "الآية 40 و 41 سورة الحج" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنكم منصورون ومصيبون ومفتوح لك، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ن يتقي الله ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر ويستمر هذا الوعد على مر العصور .
  كما أنهما سبب لحصول الثواب وتكفير السيئات، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة يؤجر عليها المسلم، كما روي في الحديث الصحيح (وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة) لأن الأمر بالمعروف فيه بذل  الخير للآخرين والاجتهاد في ذلك، وإرشادهم إلى ما ينفعهم وتحذيرهم مما يضرهم فبذلك أجره عظيم لأن فيه منفعة للآخرين .
  وفي المقابل فإن ترك الاحتساب سبب للعذاب، فالأمة التي لا يقوم أفرادها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تصبح أمة تعمها المعاصي والمنكرات، وتتفشى فيها الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية فتكون أمة لا تستحق البقاء، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) .
  ويوقع ترك الاحتساب الأمة في العذاب والهلاك، وعدم استجابه الدعاء، فأية أمة تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيأتيها العذاب والهلاك، حيث قال تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) "الآية 117 سورة هود" لأن كثرة الخبث وانتشاره سبب للعذاب، ولا سبيل إلى الحد من انتشاره إلا بإنكار المنكرات ومحاربة أهلها، وقال عمر بن عبدالعزيز – رحمه الله – إن الله تبارك وتعالى لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهاراً، استحقوا العقوبة كلهم .

  وتتمثل مهمة رجال الحسبة في إصلاح المجتمع وتقويم اعوجاجه وإنكار المنكر وترسيخ مبادئ الدين الإسلامي في النفوس والدعوة إلى الله بالمعروف، والعمل على مواجهة الفتنة التي تروج للرذيلة والمخالفات الشرعية بشكل منظم وإلزام الجميع باحترام هذا البلد وخصوصيته ومكانته العالية في قلوب المسلمين وهذه مهمة جميع أبناء الوطن وليست الهيئة فقط، لأننا مطالبون شرعاً بتعظيم البلد الحرام وأن نحافظ على طاعة الله وأن نتمسك بأهداف الفضيلة وأن نتجنب الرذيلة وأن نكافح الرذائل بأنواعها وأشكالها المختلفة
 

السبت، 14 يناير 2012

أحلامنا المسروقة


أحلامنا المسروقة
سرقة الشباب ... أم شباب مسروقة
1 يوليو (تموز) 2005

  أحببت في مقالتي لهذا الأسبوع تناول موضوع من أهم القضايا والموضوعات التي تعني المستقبل وتشغل بال الكثيرين من المنظرين والمفكرين الاجتماعيين خاصة في أمتنا العربية ألا وهي قضية شبابنا وشاباتنا وأحلامهم وطموحهم ونظرتهم لمجتمعهم ونظرى المجتمع إليهم، ومدى توافقهم وانسجامهم مع آبائهم وأمهاتهم أو معاناتهم واختلافهم مع الآباء والأمهات في إطار صراع الأجيال .
  نمتاز – نحن العرب – عن باقي الشعوب والمجتمعات الأخرى بالمكابرة في علاقاتنا الاجتماعية، فصورة وشعار الأب العربي – وأنا واحد منهم ولا ابريء نفسي – هو أن يكون صارماً متجهماً جامداً في المنزل وفي علاقته مع أبنائه أي تغيير في هذه الملامح أو التعبير عن مشاعره وأحاسيسه الأبوية تعني له إقلالاً من قيمته واستنقاصاً من قدره ومكانته الاجتماعية .
  إن تقربك من أبنائك ومحاولاتك تفهم همومهم ومشاكلهم ومشاركتك لهم في أحلامهم، واحتضانهم بعطفك الأبوي وحنانك شيء نادر في مجتمعاتنا العربية، إن آباء هذا العصر – وأنا اتحدث عن الوالدين ذكر وأنثى – لا هم لهم إلا أن يحطموا آمال الأبناء، وأن يكسروا مجاديف طموحهم وتطلعاتهم، يستخفون بهم ويحقرون آرائهم ووجهات نظرهم، لا بل تصل الأمور أن تعاقب عقاباً جماعياً لأن أخاك فلاناً أخطأ .
  إن ذلك قائم وما زال لدى جيل الآباء، إما لعقدة قديمة متأصلة يحملونها كأسلوب تربية قاس غير متسامح تمت ممارسته عليهم، أو لحب ذات منغلقة على فهم وإدراك معرفي لا نستطيع تفهمه ومسايرته مهما حاولنا لعدم توافقه مع واقع العصر ومعطياته ومتطلباته لنا من قبل أبائنا .
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يحق لنا أن نحلم ؟ وهل الحلم أو الأحلام لا تأتي إلا في المنام أم الحياة في اليقظة كلها أحلام وأمان وآمال ..؟! وهل بالفعل أحلامنا هي المسروقة؟
  أسئلة تدور في مخيلتي منذ نعومة أظفاري فالأحلام عرف عنها أنها مجرد أوهام وتخيلات لا معنى لها، يقال عن غالبيتها (أضغاث) أحلام، يصعب تصديقها وتحقيقها لقد كانت هذه المقوله صحيحة في تصوري في تلك الفترة (100%) لصعوبات عده لا يسع المجال لذكرها في هذه العجالة.
  أما الآن .. في هذا العصر اللاهث في منجزاته العلمية والعملية وراء تحقيق كل خيال وحلم وطموح وتطلع .. أجدني لا أتفق مع هذه المقولة بل على العكس تماماً لا بد لنا ولأبنائنا أن نحلم دون منع أو تدخل من أحد كائن من كان، دون سرقة وقتل لأحلامنا، فهذا العصر قائم في معطياته ومفاهيمه على الاحترام والتفهم والمشاركة في الرأي والاستماع للصغير قبل الكبير والتشجيع والمساعدة  في بناء الحلم والأمل والتصور للمستقبل ! لما أنا عليه الآن وما أحلم وأسعى أن أكون عليه غداً وبعد غد .
  إن هذا العصر غير ذلك العصر، إنهم يطلقون العنان لأحلامهم ولخيالاتهم في كافة الاتجاهات والمسافات ليكون لإبداع والتألق والانسجام و الخروج من تلك العقد التي شكلت نفسياتنا وشخصياتنا الغارقة حتى النخاع بنفاق اجتماعي قاتل ومدمر للهوية والنفسية، والمؤسس لحالات الانفلات الأسري، والإنقلاب على المنزل وقيمه الاجتماعية . فهناك جيل من الآباء الذي يرى بأن على الأبن أن يكون نسخة طبق الأصل من أبيه فتراه يتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة ابنه،  ربما أن هذا الابن يشعر بذاته فقد حاول بشتى الوسائل بأساليب الخروج على أوامر الأسرة ونتج عن ذلك فجوة بين الأب والأبن سببها في الواقع جهل الأب بأساليب التربية وهذه الفجوة أفرزت لنا جيلاً متمرداً على أعراف المجتمع وقيممه والسبب الرئيس من وجهة نظري هو الأب سواءً علم بذلك أم لم يعلم بالتزامه بمنطق فرعون (ما أريكم إلا ما أرى) كما وينطبق عليه قول الشاعر :
ترجو النجاه ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تمشي على يبس
  نعم .. نحن بحاجة إلى توجيه أبنائنا وتلعيمهم ولكن دون مسخ شخصياتهم ودون إلزامهم أن يكونوا صور كربونية طبق الأصل لنا، لأننا بهذا نصادر حقهم في أن يحلموا ..أن يعيشوا بطريقتهم الخاصة . وعلى الجانب الآخر على الأبناء أن يعوا أن الآباء مقصدهم حسن في التوجيه والنصح ولكن ليس كل مجتهد مصيب لأننا وإن رضينا بوجود هذا الوضع فإننا نخشى أن يكون مع هذه الفجوة عداء وبغض وعقوق بين الآباء والأبناء ومن ثم ندخل في مرحلة الصراع الأسري الذي لو حدث فلن تحمد عقباه .


  ابتسم عصرنا المعاش بالعلم والاختراعات والابتكارات على كافة الميادين والأصعدة وفي جميع المجالات، فمنذ أن سخر الله سبحانه وتعالى لنا تحت مظلة العلم والمعرفة كل ما وصلنا إليه من تقدم وتطور تكنلوجي وحضاري، مما أثبتت قدرة بني آدم على الانتقال من حال الخيال والحلم ..إلى حال الإنجاز والعمل على جعلها حقيقة وواقع .
  إنها أشياء كثيرة لا تعد ولا تحصى على رأسها (العقل) وهبها الله لنا نحن بني البشر وميزنا بها عن سائر مخلوقاته لنحقق أحلامنا وخيالاتنا وأفكارنا التي أصبحت اليوم تباع وتشترى بالأسواق والبورصات العالمية .. لا بل تسجل رسمياً كبراءة اختراع .. لقد أصبح من الممكن لأي ابن صغير أن يكون قائداً لجيش جرار، أو ملكاً يقاتل من أجل الحفاظ على مملكته أو حتى طبيباً أو سائقاً أو لاعباً رياضياً مشهوراً ... وغير ذلك من مهن يمارسها ويعيش دورها ممارسة عملية – عبر الواقع الافتراضي – سابقة لعمره وسنه، ومن خلالها يمر يمر خياله وفكره ليعمل على تحقيق طموحه وأحلامه ليبداء منذ الصغر يتعايش مع المهن التي يرغب ويحلم فوسائل الترفيه التعليمية المتوافرة حالياً بين يديه تؤمن له حتى لباس المهنة التي يحلم بها كأن يكون بلباس الطبيب أو المهندس أو العسكري إضافة لأدوات ومعدات المهنة ليلعب ويعيش حلمه ..هذا في طفولته ولكن عندما يدخل التعليم ومعتركه يبذل أقصى جهده وهو ينام ويصحو على هذا الحلم إلى أن يتخرج من الثانوية العامة ..وفي التخصص الجامعي وأثناء التسجيل تنهال عليه وجهات النظر من الوالدين أو الإخوة أو حتى الأقارب وقد تصل الأمور إلى أن الجيران أو صاحب البقالة في الحي الذي يعيش فيه ..كلهم دون استثناء يبدون اقتراحاتهم في نوع التخصص الأفضل والأنسب لك ..دون أن يسأل الشخص المعني الذي حمل حلمه منذ ما لايقل عن (17) سبعة عشر عاماً .. وهو يحلم ..ويحلم .. مطلقاً العنان ..باذلاً جهداً حقيقياً ..متحملاً أقصى درجات المشقة ..ليحقق أحلامه ..ولكن هل من معين ؟، إنها الوصاية التي تكسر ولا تبني ..تأخذ ولا تعطي ..تكبل ولا تنمي ..تتجاهل ولا تشجع فينا معنى الإنسان وقيمته.
  في هذا العصر عصر الإعلام والاتصال والتواصل، نرى ونشاهد كل يوم على شاشات التلفزة ونقرأ في الصحف كيف تتسابق الدول المتقدمة في دعم وتشجيع أبنائها وشبابها من خلال تبني أفكارهم وأحلامهم ومشاريعهم وتميزهم في فصول دراسية خاصة فعلياً وليس شكلياً، كما تحتضن المبدعين منهم، ومن هم خارج دولهم وبلدانهم، فعلى سبيل المثال تبنت شركة (مايكروسوفت الأمريكية المعروفة) الآلاف من الشباب المبدعين في عالم الأنترنت وابتكارات الحاسبات الآلية من هندسة برمجيات من دول أوروبا الشرقة وآسيا الوسطى .. وغيرها، حتى الهواة والمحترفين في القرصنة الإنترنتية (الهاكرز) اعتبروا ثروة لا بد من استقطابهم وتوظيف إمكانياتهم وقدراتهم في تقدمهم الابتكاري التكنلوجي .
  أما نحن فيولد فينا الإنسان ليدور في حلقة وسلسلة لا نهاية لها من المحظورات وا لمحرمات التي لا تمت للشرع بأية صلة إنما هي الأعراف والعادات والتقاليد أو لعقد خاصة دفينة يحملونها في ذواتهم : فهذا عيب ..وذلك لا يجوز ..وماذا يقول الناس عنا؟ وهل يقبل الناس؟ ثم ألا تعتقد أن ذلك الفعل أو التعبير الكلامي قد يجرح مشارع إبن عم خالد جدتك لذا عليك الانتباه والحذر من قوله أو حتى التلميح به؟
  على مرأى ومسمع الجميع تتم هذه الممارسات الخاطئة في مجملها، ولا أحد يحرك ساكناً .. لا أحد يحمي أبناءنا من هذا الفعل الذي يقمع الإبداع ويؤدي إلى الموت البطيء لخلايا دماغية مهمة ..فالأنظمة الاجتماعية غير السوية في أنساقها وبناءاتها القائمة على مجموعة من الأكاذيب تتسلق على جذع التفسير غير الصحيح للقرآن والسنة ..وغير ذلك لتحقق أهدافها في الهيمنة والوصاية على الإنسان بشكل مطلق ..لا يوجد دين سماوي يسمح ويشجع ويدعو الناس للتفكر والتبصر في إبداع السماوات والأرض والمخلوقات (أفلا ينظرون ....................) (الآية 17، سورة الغاشية) إن الله سبحانه وتعالى وهو البارئ المصور يدعو إلى العدل والإنصاف وإعطاء كل ذي حق حقه دون تعد من طرف على آخر ..كما لم نسمع برسول أو نبي تعدى على فكر أو حقوق أو أحلام قومه ولم نرى الأحلام تسرق ..والحقوق تنهب ..تحت مظلة العادات والتقاليد والنظام الاجتماعي المنغلق وتباطؤ الحماية والعدل في ذلك ..يموت صاحب الحلم قصداً أو ينتهي به المطاف إلى التسكع والبطالة .
  لنتجرع كل يوم في حياتنا واقعها المرير، لتتحطم مجاديفها وتتكسر على رؤوسنا، ولتتمزق أشرع سفن ومراكب الإبحار في عالم الأحلام والآمال والأماني ..لتسلب وتسرق منا ابتساماتنا ..وتوأد طموحاتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا ..وما تبقى من ذلك الإنسان العربي الصغير المحطم أصلاً في واقع غير سوي ..مبني على الخضوع والانصياع لأوامر وتعليمات وتوجيهات ما أنزل الله بها من سلطان ممن هو أكبر منك ..فهي الوصاية والعلم والفهم المطلق مقابل الجهل المطبق ..فلا يكون أمام ذلك الطفل الصغير سوى كلمة واحدة يرددها بشكل ببغاوي دون تمييز أو تمحيص أو نقاش ورأي مستقل فيما يقال أو يطلب منه ..إنها الحقيقة والواقع لا يملك الواحد فينا إلا أن يقول (أبشر) أو كما هو دارج في الخليج (سم) طال عمرك لمن هو أكبر منه وإن كان ما يقوله الآخر خطأ في خطأ إلا أن هذا هو الواقع المرير المعاش .
  إنني من هذا المنبر أطالب كل القادة العرب، والمفكرين الاجتماعيين والمنظرين لمستقبل الأمة العربية، وكذلك المسئولين عن المشاريع الإصلاحية في وطننا العربي، أن يركزوا على مشروعات الاستثمار في (الشباب) بإتاحة الفرصة لهم، وإعطائهم الأولوية القصوى، فهذا الاستثمار والبناء في الإنسان ..وهل هناك أهم من الإنسان؟ وعليهم أن يستفيدوا من تجارب الآخرين في هذا المجال.
  كما آمل أن يعوا أن شباب هذه الأمة يفتقر إلى برامج تستوعب تحولاته الفكرية وإبداعاته وتصوراته المستقبلية، كما لا بد وأن تعمل هذه البرامج على تضييق الفجوة بينه وبين الأجيال التي سبقته والتي تليه وأن تحميه من أمور اجتماعية كثيرة، وتشجعه على تحقيق أفكاره وأحلامه، ومحاسبة من يحاول تحطيمه فكل من يمارس أسلوب الأخذ ..والسرقة بالإكراه وبقوة سلطته الاجتماعية ..ليسلب شبابنا وشاباتنا حقوقهم الفكرية وأحلامهم الوردية ..هو من يتسبب في الإرهاب الحقيقي الذي يسبب الكره، والقتل، والضغينه والهروب، والهجرة، وبيع النفس رخيصة دون تفكير لأنه لا يمكن الرقي وإصلاح الشعوب والمجتمعات إذا كان شبابها مضطهداً ومحروماً من أن يحلم حلماً وردياً ..كلي أمل أن ينصف شبابنا وشاباتنا.. ونرى في القريب العاجل معالجة حقيقة وحلاً يردع كل من يحاول سرقة أحلامهم وطموحاتهم وتطلعاتهم يقول الشاعر ..
الله يعلم من سرق عمرنا سرق
متنا ضما وفي نبعنا الغير شارق

كما آمل أن نردد قول الشاعر :
عذابي في حياتي في طموحي
أحبه وأعشق أهدافه وأخافه

إنها دعوة خاصة لنحمي أبناءنا ونعيد أحلامهم لهم ..ونشجعهم على أحلامهم القادمة ..وندفعهم لترى تلك الأحلام النور في فضائنا وسمائنا ونحن بني يعرب من المحيط إلى الخليج فبالآمال والتنافس والأفق الكبير المعطاء نحقق الحلم الكبير لتعود أمتنا في مقدمة الأمم .
  

الخميس، 5 يناير 2012

رسالة من بلاد الواق واق "2-2"


رسالة من بلاد الواق واق "2-2"
29/11/2006

أيها القارئ الكريم، في الحلقة الأولى وبعد أن استعرضت معك الرسالة التي وصلتني من السيد/ واق بن ذكر الواق، والتي يشرح فيها ما يتعرضون له من ظلم واضطهاد وتعذيب وغياب للعدالة وجور من الظالمين في بلادهم (واق الواق) بسبب قولهم كلمة الحق ونصرة الحق، والألتحاق بدين الهدى والرحمة والحق.
أود أولاً أن أؤكد لك أخي/ واق الواقي ..وأنت أيها القارئ العزيز ..
أن النفس البشرية منذ ولادتها وحتى وفاتها وانتقالها إلى بارئها الأصل فيها أن تتعرض لمشاكل وعقبات وأزمات في عالم مليء بالظلم والقهر والطغاة ..وأنا أؤكد وأقول على أن الأصل والمفترض ذلك، ولكن المسألة تكمن في ردة فعل الإنسان الذي يتعرض لهذا الظلم وهنا ندخل في قوة تحمل هذا الإنسان فالبعض يسخط ويكفر بالله الواحد الأحد بسبب جرح بسيط في أحد أصابع يديه ..والبعض منا تجده يتعرض لظلم بحجم وبقساوة الجبال وتجده متفائلاً فرحاً بهذه الحياة مرتاح الضمير ينام قرير العين يردد قول الإمام الشافعي رحمه الله :
أمطري لؤلؤ جبال سرنديب
وفيضي أبار تكرور تبرا

إنا إن عشت لست اعدم قوتا
إذا مت لست اعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفسي
نفس حرا ترى المذلة كفرا

وإذا ما نفعت بالقوت عمري
فلماذا أزور زيد وعمرا

أيها القارئ الكريم .. أخي/ واق الواق ..
إن المصائب والمحن من الطبيعي أن يتعرض لها الإنسان في هذه الحياة ولكن المسألة تكمن في مدى  ارتباطه وتعلقه ببارئه وإيمانه بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك .. إن هذا الواقع المرير والوضع المزري الذي تشهده يا (ابن الواق) ..في الوقت الراهن ببلادكم "واق الواق" يجب أن تأخذه على أنه امتحان من الله إن صبرت وشكرت فقذ ظفرت بأبي أنت وأمي .. ما تتعرض له يا (ابن الواق) يجب أن لا يغيرك عن دينك ومبادئك وقيمك الإنسانية ..يجب أن لا يجعلك تفكر كثيراً في الهروب بعيداً عن الحق ويدفعك إلى الانتقام والإساءة للآخرين وظلم أبرياء مساكين ليسوا سوى عبيداً مأمورين لا حول لهم ولا قوة ..إن الله أخبرنا في قصة فرعون أن الأضطهاد والاستبداد والتمييز لا يستمر ولن يدوم مهما علا أصحابه واستكبروا ..سيأتي يوماً وينقلب السحر على الساحر يا (ابن الواق) ..سيأتي يوماً ويقذف اليم جثة "فرعون" منتفخة متفسخة ..ألم يقل نا ربكم الأعلى ولا أريكم إلا ما أرى ..فلعنة الله على "فرعون" ومن ناصره واستنصره على ظلمه.
أخي/ واق الواقي..
لقد قرأت رسالتك عشرات المرات ..رسالة تحترق لها القلوب وتنفطر من شدة الحزن والصدور.. إنني أؤكد لك يا (أبن الواق) أنه لا يخفى علينا ولا على أحد من البشر قسوة الظلم ومعاناته، ولذلك يبقى الحديث عن العيش في سلام ومحبة ووئام مجرد حلم عابر لنائم في ليلة شتوية أمطارها غزيرة وعلى أرض جرداء لا حقيقة له في الوجود ذلك النائم حين يفيق ..إذا لم يرافقه العمل الجاد والمخلص لتحقيقه والوصول إليه ولا يكون ذلك إلا من خلال الرجوع إلى الله والتمسك بكتابه .
أخي / واق الواقي ..
إنني أتفق معك أن المستقبل الزاهر والواعد بالتقدم والتحول والتغيير إلى الأحسن وإحقاق الحق وشمول العدل والنهضة والتنموية الشاملة والعزة لن يغلي شيئاً ولا يجدي نفعاً إذا لم يصاحب هذه الأفكار والرغبات العمل الجاد لصناعة ذاك المستقبل المنشود والقضاء على كافة المعوقات التي جعلتكم تعيشون في حالة من الون والذل والضعف والتخطبط والبناء على الوهم وملاحقة السراب ..أبداً أولاً بنفسك وسترى أن الجميع سيأتي وراءك وصدقني فذلك جاء من تجرية .
أخي/ واق الواقي ..
اسأل نفسك هل الإيمان المسيطر على نفسك والموجه الحقيقي لأخلاقك وسلوك من معك كما كان من زمن بدايات الدعوة المحمدية ..كما كان في صدر بلال بن رباح وياسر بن عمار ..وغيرهم، إذا لم يكن كذلك أخي/ واق الواقي فأعمل أن تجعله كذلك انتبه فأنا أخشى ما أخشاه أن يصبح إيمانهم إيماناً (جغرافياً) بحكم ولادتهم في أٍض المسلمين أو إيماناً (وراثياً) يأخذونه عن آبائهم كما يرثون الأموال والعقارات ولذلك أًبح إيماناً مخدراً نائماً لا تأثير له ولا حيوية فيه ولا يورث القوة ويعطي هيبة  النفس ولا العزيمة ولا العزة، مجرد كلمة من خمسة حروف تكتب في جواز السفر بخط صغير .. لقد كشف الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته عن الأسباب العميقة للضعف والهوان حين تهون على اعدائها في قوله الشريف (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلة نحن يومئد يا رسول الله ؟ قال: بل أنتم يمئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن ؟ أي ما سببه وماسره قال : حب الدنيا وكراهية الموت) صدق الرسول الكريم بتلخيصه لحقيقة مبعث الوهن الحقيقي وسر الضعف الأصيل أن يخلد المرء إلى دنياه الخاصة، فيعيش عبداً لها مطواعاً لأوضاعها الرتيبة أسيراً لقيودها الثقيلة تحركه الشهوات كالخاتم في الإصبع وتسيره الرغائب المادية ليكون عبداً لها يتحرك في مدار محدود، فاقد الهدف معصوب العينين فالحذر الحذر من أن تصبحوا كذلك في بلادكم "واق الواق" سوف يستدرجون منكم ضعفاء الأنفس الذين يرضون الذلة والعار ..أولئك الذين لا يعرفون معنى الكرامة والعز سيغرونهم بالمال الرخيص القذر للوشاية بكم والإساءة لكم وتشويه الصورة .. وحتى رفع المدية عليكم وطعنكم من الخلف فانتبهوا من هؤلاء فإنني أخوف ما أخاف عليكم منهم ..أحذر ألف مرة يا واق الواق ..تحنبوهم لا تثقون بإيمانهم فآيات المنافقين جاءت في القرآن محذرة منهم أكثر من الآيات التي وردت في "فرعون" الذي كان مجرد واجهة قذرة لموجه اسمه "هامان" لعنة الله على فرعون وهامان .
أخي واق الواقي ..
لا شك أن (حب الدنيا) هو الذي جعل الإنسان ..وحتى السلطان وملك الزمان في عرشه في عيني عبداً ضعيفاً رخو العود أمام شهوة يطمع في نيلها أو نديم يخشى أن يفضحه أو حاشية تعينه على سرقاته ونزواته .
ثم أن كراهية الموت هي التي تجعل الأفراد والجماعات يؤثرون حياة ذلليلة على موت كريم، يؤثرون حياة يموتون فيها كل يوم موتات عدة يفضلونها على أن يموتوا موتة واحدة بعزة وكرامة لله رب العالمين يحيون بعده حياة الخلود مصداقة لقوله تعالى: ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما أتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) .
أخي/ واق الواقي ..
إن الأزمة التي تمر بها في بلادكم (واق الواق) هي أزمة مزمنة تعود إلى انطفاء جذوة التسامح والعدل والمحبة والإيثار بين الناس وقبول الأديان الأخرى والمذاهب والطوائف والرأي الآخر وقول الحق فالله خلق الأرض بهذه الصورة فلماذا يريدون أن يغيروها ..لماذا يكذبون نهار ويتآمرون عليك في الليل .. أتدري لماذا يا (واق الواق)؟ لأنم أولاً منافقين وثانياً جبناء ويخشون مواجهتكم ..شاهدهم يتحدثون عن العدالة والتسامح وحب الخير أمام الملاء أما في أنصاف الليالي أعلم أنهم يحيكون جرائمهم ضدك يضعون الخطط ويرسمونها ..فلا تقلق نم قرير العين حين يكون حبلك موصول مع الله ..نم قرير العين حين يكون ضميرك مرتاح ..ادع في صلاتك اخي/ واق الواق اللهم لا تكلني على نفسي ..اللهم لا تجعلني أظلم أو أظلم .
أخي/ واق الواقي ..
أتدري ما المصيبة أنهم لا يقرأون التاريخ ولا يستفيدون من تجاربه القريبة والبعيدة التي سطرتها الكتب التي اشتروها ليزينوا بها مكتبات منازلهم وبيوتهم وقصورهم ..حتى سنن الله في أرضه وبين عباده وخلقه لا يعونها ولا يتدبرونها ..فالظلم لا يدون والإناسن المظلوم المقهور له كلمته في لحظة غفلة تنزل كالصاعقة حين يتمادى الظالم ..إن الإنسان مهما كان لا يقبل أن يساق لا يقبل أن يقاد كطعان الماشية التي تتبع الراعي ..حتى القطعان التي لا عقل لها حين يقودها الراعي إلى أرض جرداء أو منحدر ستقف وتسأله وتحاسبه وتتمر على قيادته وقد تتحداه .. وتحاكمه وتصدر بحقه حكماً بالإعدام ..وهذا ما يستحقه لأنه هو من حكم على نفسه بهذه النهاية حين دخل في نفق الزهو والغرور بممارسات الظلم والتسلط على الآخرين .
أخي/ واق الواقي ..
ما نشهده اليوم من استمرار الظلم والجاهل المستبد بأفعاله الشريرة هو وجود المنافقين الدجالين أجهل الناس وأحقدهم على الناس المتعطشين لشرب دماء الناس من حولهم بل أن البعض استعان بأعداء دينه وأمته لتثبيت وتمكين بقاءه مع الظالم وهذا بأبي وأمي يا (ابن الواق) هو الذي أضاع الحق إلى أجل لكنه مسمى.فما ترونه اليوم وتعانيه يا (ابن الواق) ليست أساسه اختلاف الأفكار والسياسات والمبادئ والقيم فقط بل أيضاً هناك اختلاف الأهواء والأغراض والمصالح وتقاطعها فالمتكبرين والمتغطرسين المستعلين في الأرض يحاصرون ويسحقون من تتقاطع مصالحهم مع مصالحه ولا يقبلون بأن يقف أحد وجه خططهم ومشاريعهم التي بناها في عقولهم وزين صورتها الشيطان "خنزب" حين يرفعون أيديهم تكبيراً في صلاتهم ؟
يقولون على كل أفعالهم وجميع مشاريعهم أنها لمستقبل الأجيال واستثمار من أجل الأجيال، وأنها بناء للغد والحقيقة يعرفها جميع من حضر أولئك الذين يصفقون لهم حين يقصون ذلك الشريط الأخضر ..فويل هؤلاء الذين لا يراقبون الله، ولا يخافون سوء الحساب في سبيل بناء مصالحهم الشخصية وطموحاتهم اللاإنسانية .
أعانكم الله أخي/ واق الواقي على ما أنتم فيه، وأود منك ان شعرت بالضعف والون أن لا تتردد بأن تهاجر وتأتي إلى ديارنا فنحن ولله الحمد لدينا كل شيء على أحسن ما يرام ..فالجميع هنا متمسك بكتاب الله وسنة رسله ..فلا ظلم ولا نفاق ولا كذب صحيح أن هناك قضايا يقدمها بعض المواطنين على بعض  وذلك ليملؤون وقت فراغهم ومع ذلك تنجزها المحاكم بأسرع وقت ..لا بل أن المحاكم من مثالية العاملين فيها كان لها دور أهم وأكبر قال لي :(بدران شاه خان) وهو سيرلانكي يعمل في محل إصلاح إطارات السيارات (بنشرجي) حين ذهب لإصلاحي سيارتي قصة إسلامه التي كانت على النحو التالي :
يقول (بدران) أنه اشتكى أحد المواطنين في المحكمة ذات يوم وأنه ما كاد يخرج من باب المحكمة إلا وهاتفه النقال يرن وإذا عل الخط موظف من المحكمة يبلغه بأن الحكم صدر وأن وثيقة الحكم (الصك) جاهزة ..ويقول (بدارن خان) : ذهبت إلى الطابق الأول لأستلم وثيقة (صك) الحكم من الموظف إلا أن الموظف حين دخلت نهض وهو يبتسم ورحب بي وقال لي : أن القاضي رفض إلا أن يسلمها لك بنفسه وأن لا تأخذها إلى من يده، يقول: دخلت على القاضي، رحب بي  ورد السلام وكان مبتسماً وشكرني على الحضور للمحكمة وأكد لي أنه مرحب بي في أي وقت، وأن الإسلام دين العدل وأنه لا يبقل الظلم حتى على المسيحيين ثم اتصل القاضي بنفسه بالضابط المسئول وقال له : الحكم الصادر ينص على أن يتم استدعاء الخصم فوراً لديكم بالقسم وتنفيذه لإلتزاماته التي نص عليها الحكم، وبالفعل سحب الضابط هاتفه النقال من جيب بنطاله العلوي واتصل بمرجعه وطالب بتعميم اسم خصمي على كافة الدوريات، وما كاد يفعل ويغلق هاتفه حتى جاءه اتصال هاتفي يقول له : أنه تم إلقاء القبض على ذلك الخصم وأن سيكون في قسم الشرطة بعد عشر دقائق، يقول (بدران خان) : خرجت مع الضابط الذي أصر أن آتي معه إلى القسم بسيارته وكان لبق يكرر الأعتذار لي عن ما صدر من مواطنه وأنه لا يقبل ذلك لكائن من كان وأن العدل العدل وإحقاق الحق هدفه وحياته حرصاً على سلامة المواطنين والوطن ..وبالفعل في مركز الشرطة وجدنا الخصم الذي اعترف بكافة حقوقي ودفعها لتنتهي القضية .. وبعد أن قرأت عن الإسلام وخصوصاً قصة سيدنا علي رضي الله عليه عندما تخاصم مع اليهود وشاهدت بأن عيني سماحته وعدله قررت أن أسلم وأسلمت بالفعل ..وصار اسمي الآن "بدر الدين شلهوب خان راجو"
أخي/ واق الواق ..
أما المسئولين من وزراء ووكلائهم والقيادات التي تليهم مخلصين لنهجم قائدنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله – وللأمانة التي أوكلت إليهم فتوصياته وتوجيهاته عاملين على تحقيها ليل نهار ..فالمبالغ الضخمة والميزانيات المهولة التي استلموها لتنفيذ الخطط والمشاريع والتي رسموها وتقدموا بها لمجلس الوزراء انطلقت في كل الاتجاهات وعلى قدم وساق وفي وقت زمني قياسي ..قال لي صديق سافر على طريق الشمال أنه وجد وزير النقل والمواصلات بنفسه وبسيارته الخاصة يتفقد أداء الشركات التي تزفلت هناك يقول صديقي أنه شاهد الوزير وكيف نزل بنفسه وأخذ يقيس سمك ونوعية المواد المستخدمه في الزفلته والتأكد أنها مطابقة للعقد وشروطه على ذلك الطريق وحين أكتشف خلل بسيط طالب فوراً بطرد المهندسين المشرفين على تنفيذ المشروع بعد التحقيق معهم وعرض المواد على مختبر لتثبيت والتأكد من حقيقة التهمة الموجهة لهم بالتقصير ..وطالب الشركة المنفذة بوقف العمل فوراً حتى التأكد من صحة تورطها في عملية الخلل والتقصير ومن ثم الإخلال بالعقد ..يقول لي صديقي أنه فوجئ بهذا الوزير لأنه قبل يوم شاهده على التلفاز في اجتماع مع الأهالي لمدينة كانت تقع في الجنوب.. وأن هذا الوزير ضغط على شركة لمسئول كبير في الدولة فأنجزت المشروع قبل موعد الأنتهاء التي وردت في عقد إرساء المشروع على الشركة بستة شهور ..ما أروع الوزراء والمسئولين في بلادي .
أخي/ واق الواقي ..
هل تعلم أن المواطنين لدينا لا وقت لديهم لكثرة زيارات المسئولين وسؤالهم عن أحواليهم ..؟!! وهل أنك لا تجد وزير لدينا إلى ويرفض أن يشرف على أي مشروع غيره ..الكل يخاف الله فينا نحن المواطنين ومنهم ولله الحمد وحتى أدق التفاصيل والتقارير وأحوال الناس ..المعاملات في الدوائر الحكومية لا يستيطع المواطنين اللحاق بها من سرعة إنجازها ..سمعت أن مواطن تعلم لعبة البيسبول الأمريكية ..أتدري لماذا ؟!! ليستطيع إمساك معاملاته بفن وإتقان حيت يتم إعادتها له في الحال ..فما يكاد المراجع يسلمها للموظف المختص حتى يتم رميها عليه بعد أن يكون الموظف قد أنهى المعاملة ووقع عليها حتى الوزير حتى ..وقبل أن يخرج المراجع من باب الدائرة التي يراجعها يريد أن يلتقطها بفن فهو لم يكن يجيد فن إمساك المعاملات مثل بقية إشقاءه المواطنين ..ولا يريد أن يكلف على الدائرة وموظفيها بالنزول معه وتسليمه للمعالة بعد انتهاءها .
أخي/ واق الواقي ..
لا تقلق إذا كان ليس معك مال فلدينا سوق أسهم عال العال ..تعال استثمر وتجد أن رصيدك بين عشية وضحاها قد تضخم وتنفحت ادراجه ..فالمسئولين عن السوق كفاءات مثل صيف "جدة" غير استطاعت ضبط السوق والسيطرة على المتلاعبين ومعاقبتهم واحداً تلو الآخر حتى أنني سمعت أن خبراء بورصة نيويورك، وداوو جونز، ونيكاي، وسوق لندن وول ستريت: جاؤوا جميعهم للأستفادة من أسلوبنا وسياستنا في إدارة السوق ودقة التحكم فيه وكيفية طريقتنا في ضبطه ..حتى أننا الآن أصبحنا بدون فقير أو مديون فالآثرياء زاد ثراءهم والفقراء أصبحوا أثرياء ..والبنوك لا تطلب أي مواطن أو إنسان لدينا .
أخي/ واق الواقي ..
التحق وتعال معنا يا(إبن الواقي) لترى بأم عينك كيف تمشي في مدن والناس مبتسمة لك بل شاهدت أحد أصدقائي طائراً في السماء حين نزل سألته: كيف تطير ومنذ متى ؟! قال لي صديقي وهو يضحك : بعثت فيني طاقة جديدة وفائضة عن الحاجة بسبب شدة الفرح مما أضطرني للطيران لتفريغ شحناتها ..فتعال يا (إبن الواقي) لنطير سوياً في بلادي ..