السبت، 2 أبريل، 2011

الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد 2 -2


الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد 
رؤية حكيمة وقرار صائب ولكن ؟!
2-2
نشرت في 03/07/2007م

  في الحلقة الأولى ذكرت أن خبر إنشاء "هيئة مكافحة الفساد" كان بالنسبة لي أسعد خبر في هذا العام، كما أنني أحببت أن أوجه كلمة من أعماق قلبي إلى والدي خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – بمناسبة الإعلان عن إنشاء هذه الهيئة داخل مملكة الإنسانية وأوردت الأسباب التالية :
الأول :
(أن هناك رغبة صادقة وأكيدة في أجندة قائد مسيرة هذه البلاد "حفظه الله" ليست بالأقوال فقط إنما بالأقوال والأفعال معاً في اجتثاث مثل هذا المرض السرطاني منذ توليكم للحكم ).

الثاني :
(أن الإعلان عن إنشاء هذه الهيئة هي رسالة واضحة للجميع دون استثناء إن إرادتكم جادة ومخلصة في تحقيق العدالة والنظام والقانون وأن لا مجال لتجاهل هذا المرض فلا بد من مواجهته حتى لو لزم  الأمر الكي فلا تسامح مع العابثين والمفسدين في حقوق المواطنين )

الثالث :
(أن قرار إنشاء هذه الهيئة جاء متفقاً مع أهم ما طالبت به عبر سلسلة من المقالات والتي تحدثت فيها عن ضرورة مكافحة الفساد المستشري في جميع أوجه الحياة بمختلف أشكاله وصوره باعتبار محاربة الفساد والإصلاح هو الطريق الأمثل لنهوض الأمم والشعوب والارتقاء بها إلى أعلى الدرجات والمراتب السامية وأنه الوسيلة المهمة في عملية التنمية وانطلاق التقدم والازدهار ودفع مسيرة النهضة التنموية الشاملة في كافة مناحي الحياة .

أما في هذه الحلقة فأود الحديث عن جوانب م الضروري أخذها بعين الاعتبار ولكي تضطلع هذه "الهيئة" بدورها أتمنى من الأخوة القائمين على صياغة كافة أفكار هذا المشروع العظيم من حيث هياكله التنظيمية، وأهدافه الحيوية، وآليات عمله لتحقيق أهدافه والمسئوليات والصلاحيات المناطة به بصيغة أسئلة بسيطة جداً أزعجت رأسي منذ الإعلان عن هذه الهيئة  سأوجهها مبدئياً إلى معالي رئيس الديوان الملكي الأستاذ خالد التويجري والسبب اختياري  لشخص معاليكم هو : لأنك الشخص الذي سيتابع وينسق مع الجهة أو الجهات التي تعمل حالياً على بلورة مشروع "الهيئة" كما أنه من المفترض أن تسلمك رسمياً هذه الجهة كافة ما يتعلق بهذه الهيئة من مسؤوليات وواجبات وصلاحيات وهياكل تنظيمية وغيرها لتقوم بدورك بتقديمها لخادم الحرمين الشريفين – حفظه الله ورعاة – من هنا جاء السبب الثاني لاختياري لكم في الإجابة على هذه الأسئلة، فحين تكون إجابات القائمين على صياغة  مشروع "الهيئة" لا بد بالضرورة أن يكونوا قد أخذوا ملاحظاتي وتساؤلاتي التي عبرت عنها مقالاتي التي أشرت لها في الحلقة الأولى وملاحظات آخرين من زملائي الكتاب والصحفيين والمختصين بعين الاعتبار وترى معاليكم منطقية الإجابات وواقعيتها من قبل القائمين على صياغة كل ما يتعلق بمشروع "الهيئة" ومدى إمكانية تلبية الصيغة النهائية "للهيئة" لأهدافها وما يرمي له إنشاءها على أرض الواقع فإن ذلك هدفاً وطنياً يجمعنا ونتوحد خلفه فالكمال لله وحده لا شريك له .

معالي رئيس الديوان الأستاذ خالد التويجري..
ثق تماماً أن هدفي من هذه الأسئلة والاستفسارات ليس الاستعراض أو الإحراج لكائن من كان بقدر ما هو الحرص على إنجاح ولادة هذه الهيئة وإخراجها للواقع بالصورة التي يهدف لها ولي أمرنا جميعاً والدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله – أو على الأقل تلبي الحد الأدنى من تطلعاته – وفقه الله – إنني كمواطن متابع ومراقب لأداء مؤسساتنا الوطنية الرسمية أريد لهذه الهيئة ولادة من دون تشوهات وعيوب كما حدث في عدد من "الهيئات" والتي أعلن عن إنشاءها في الآونة الأخيرة وعلى رأسها "هيئة البيعة" التي أدخلني ما ورد في الإعلان عنها بنفق مظلم من الحيرة والغموض في كثير من تفاصيلها كمشروع، حتى أنني شككت بقدراتي العقلية، ولكن بعد متابعتي للقاء التلفزيوني الذي أجري مع سيدي صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبدالعزيز – حفظه الله – حول هيئة البيعة أدركت أنني لست وحدي أحمل تلك الحيرة، وأنني لست وحدي من يتساءل عن كثير من التناقضات والغموض بل أن سموه كان قد عبر عن ذلك مرة بشكل مباشر ومرة أخرى بشكل غير مباشر في معرض إجاباته على أسئلة المقدم التلفزيوني .

معالي رئيس الديوان ..
إن الهيئة مشروع رجل الدولة الأول وقائدها وهي مشروع لم يرى الضوء حتى كتابتي لمقالي هذا، ولم تتبلور صيغته النهائية، لذا حين أطرح مثل هذه الاستفسارات فإن القائمين عليها لديهم الفرصة لتداركها وأخذها بعين الاعتبار في مرحلة التخطيط للهيئة، وهذه المرحلة هي الأفضل لتلافي ومعالجة الأمور من المرحلة التي تليها وهي مرحلة التنفيذ فوقوع القائمين على الهيئة بعد انطلاقها في أخطاء واضعي وثيقة الهيئة قد يسبب حرجاً تصعب معالجته بأي حال من الأحوال فتصبح الهيئة عبئاَ على الدولة وفرصة تقدمها على طبق من ذهب لمن أراد أن يسيء للدولة وسياستها الداخلية، فالخصوم والمناوئين لهذا البلد يتلذذون بمثل هذه الأمور ويألفون حولها قصص (ألف ليلة ولية) لينشروها بين أبناء المجتمع بهدف خلق الفتنة وزعزعة اللحمة والثقة بمؤسسات الدولة، والحاقد صاحب الفتنة لا يخفى عليكم أن مثل هذه الأمور حطب نيرانه التي يبحث عنها ليشعل بها فتنته التي هي أشد من القتل .

معالي رئيس الديوان ..
مؤمنين جميعناً أنه على الهيئة الالتزام بالصدق والشفافية والحياد والاستقلالية حتى يتسنى لها تحقيق المراد والهدف المنشود والحلم الذي يراود أبناء هذا الوطن لأن (الحياد) هو المنهج الأوحد والطريق الصحيح لرفع الظلم وتحقيق العدل في العديد من القطاعات الحكومية التي استشرى فيها هذا المرض السرطاني .
وسؤالي لمعاليكم : كيف يا ترى سيتحقق (الحياد) من قبل الأشخاص القائمين على هذه الهيئة، فالدولة مثلها مثل أي دولة في العالم من طبيعتها أن تتواجد فيها مراكز قوى تتصادم فيما بينها وتارة أخرى تتوافق حسب الظرف المصلحي العام في الدول الديمقراطية وخاصة في دول عالمنا الثالث ؟
إذاً من السهل أن نتحدث جميعاً عن (الشفافية) و (الحياد) و (الاستقلالية) ونألف عنها مئات المؤلفات والكتب، ونتغزل بها، لكن من الصعب أن نطبقها على أرض الواقع إلا نم خلال التصادم مع قوى أخرى متنفذه في كافة مفاصل القرار الرسمي مستفيدة من الوضع القائم في عدم المحاسبة والمساءلة لا تؤمن بمصطلح يقال له (الشفافية) و (الصدق) ..مصطلحات لا تعتبرها هذه القوى سوى مجرد كلمات للاستهلاك المحلي .
وبالحياد والمصداقية أيضاً يمكن لهذه الهيئة أن تؤدي دورها في محاسبة كبار المسئولين دون الخوف من أي شيء يعطل مسار عملها حتى لا يسود في المجتمع معاقبة الضعيف إذا سرق وترك الشريف كما حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من ذلك في قوله عن عائشة رضي الله عنها : (أن قريشاً أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسوله الله "صلى الله عليه وسلم" ، فكلم رسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فقال: أتشفع في حد من حدود الله ؟! ثم قام فخطب فقال : يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم إنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) .

معالي رئيس الديوان الملكي الأستاذ خالد التويجري..
سؤالي الثاني يقول : هل سيكون هناك برنامج حماية للعاملين في هذه الهيئة جراء التصادم مع قوى أكبر منها نفوذاً سلطوياً وقدرات قوى قد يدينها القائمين على الهيئة ويتخذون بحقها قرارات عقابية تجاه مسئول قوي ونافذ أو مسئولين أدينوا بأمور الفساد ؟! إن هذه مسألة من وجهة نظري الشخصية في غاية الأهمية فقد يكتشف الفساد في وزارات وإدارات لا يستغني أي مواطن عن مراجعتها وله مصالح معها، إن المسئولين في الهيئة سيتعرضون بصورة أو بأخرى لنوع من الانتقام ورد الاعتبار في وزارات سبق لهم أن اكتشفوا فيها جرائم فساد وأثبتوا تورط قياديين فيها بأمور الفساد والعكس صحيح فقد يستغل القائمين على هذه الهيئة مراكزهم الوظيفية أفضل استغلال بحيث من يحقق مصالحهم الشخصية في إدارات ووزارات أخرى يتم التغاضي عنه وتجاهل وزارته بالكامل من التفتيش والمحاسبة والمساءلة بينما من يقف في طريق مصالح مسئول أو مسئولين في الهيئة فلا بد من إجراء تفتيش وتحقيق وبحث وتقصي مستفيض مجهري دقيق على وزارته وإدارته .
أما سؤالي الثاني فهو : بما أن السواد ا لأعظم لبنية مجتمعنا السعودي قائم على كيانات متعددة من القبائل والعائلات والأسر الكبيرة جداً المترابطة والمتلاحمة خصوصاً في الأزمات فكيف نضمن أن لا يكون في الهيئة نوع من المجاملات والفزعات من مسئولين فيها تكريماً لأبن أو أبناء عمومتهم في تلك الوزارة او فرع للوزارة في تلك المدينة أو المحافظة أو الهجرة، أليس هذا وارداً وممارس في غالبية وزارتنا وإدارتنا وكافة مؤسساتنا الحكومية ؟
أما سؤالي الرابع فيقول : هناك عادة مشتركة ومستخدمة في كافة القطاعات والوزارات الحكومية لدى المتورطين في أعمال الفساد بحيث يكون هذا المسئول الملوثة يديه بكافة أصناف وأشكال الفساد على درجة عالية من الحذر الدائم فلا يترك أية وثائق تدينه وينسق مع الجهة المقابلة له بأن يكون هناك شخصاً ينوب عنه في كافة الأمور وهو يحميه من خلف الكواليس فلا يظهر في الصورة ولا من حيث التوقيع على أوراق أو استلام مبالغ أو بضاعة تم توريدها لمؤسسته، وغير تلك الأساليب والوسائل والطرق الواعية والذكية والحذرة في أدق التفاصيل بل جميع الكبار يضعون لهم كبش أو اكباش فداء وتضحية يستبدلون بآخرين حين يتم نحرهم فما هي الوسيلة لمعالجة هذا الوضع ؟!
سؤالي الخامس : من الواضح لي أن الهيئة ستطبق سياسة (من أين لك هذا ؟!) فهل يعني أن كل مسئول حين يتم تعيينه في منصب ما يجب أن يعلن رسمياً كافة أملاكه النقدية والعينية ؟! وهل يتم أيضاً معرفة ما لدى أبنائه وزوجته وأسرته بالكامل ؟! وكيف للهيئة من ضبط هذه المسألة فنحن يجب أن لا نستغبي المسئول وإلا لما كان مسئولاً في الدولة فالجميع لا يأكل مباشرة بأسمه بل أن هناك رجال له في الميدان يبحثون للمسئول ويسألون عن أفضل الولائم التي يكون لهم عمولات تستحق أن يخوضوا في كافة أشكال الفساد من أجلها فما مصير هؤلاء وكيف لنا ضبط استخدام هؤلاء المسئولين الفاسدين لهذه العينة من البشر التي أصبحت تنتشر في كل أرجاء بلادنا الحبيبة ؟ .

معالي رئيس الديوان الملكي الأستاذ خالد التويجري
علمنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم" سيد هذه الأمة ونبيها أن نطبق القانون على الجميع دون استثناء وأن على الجميع أن يلتزم بالقانون الكبير قبل الصغير وأن يكون شعار السلطة والحكم في كل مكان هو هذه الجملة النبوية المطهرة (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها) للمحافظة على حقوق الناس وأملاكهم وحرماتهم وما إلى ذلك، ويجب أن تكون السلطة جادة في تطبيقه على كل المواطنين بنحو متساو وبوتيرة واحدة حتى لا ينطبق علينا قول أخي الأمير عبدالرحمن بن مساعد في قصيدته :
احترامي للحرامي الجالس بالصف الأمامي
بأن يحاكم من يسرق مبالغ زهيدة من أجل أن يطعم بها أطفاله الجياع فيما يترك الحرامي الكبير الذي ينهب المليارات نتمنى أن تزول هذه الصورة المعكوسة لنرى تطبيق القانون على الجميع وفي جميع قطاعات الدولة بما في ذلك الأجهزة المعنية بالقانون نفسها وهي القضاء والادعاء العام والتحقيق والمحامين وحتى الصحافة التي تطبل لا لشيء سوى خدمة وتلميع ذلك أو هذا المسئول دون المراعاة لمصلحة الوطن والمواطن .
وعلى هذا الأساس فمن حق كل مواطن أن يطالب بمحاربة الفساد لقطع الطريق أمام كل معتد على حقوق المواطنين والمال العام ويمكن أن يتم ذلك من خلال انتخاب كل حي عضواً يمثله في الهيئة (مع ملاحظة أن لا تكون كالإنتخابات البلدية وما حصل خلالها من أحداث فاسدة) لتكون هذه الهيئة شاملة ومعبرة عن طموح وآمال المواطنين وممثلة فجميع أبناء الوطن وتتلقى تقاريرها من المتضررين أنفسهم الذين يتقدمون إليها بالشكاوي من خلال الممثلين لهم في الهيئة لأن إنشاء هذه الهيئة يصب في مصلحة المواطن البسيط الذي عادة ما يدفع فاتورة الفساد وحده دون أن يكون له دخل فيه .

معالي رئيس الديوان الملكي الأستاذ خالد التويجري
إن الإعلان عن هذه الهيئة هو بمثابة إقرار بانتشار الفساد وفي نفس الوقت إعلان حرب على الفساد والإصرار على اجتثاثه ولكن معاليكم يذكر أننا درسنا في المرحلة الابتدائية "أنه بسبب تفاحة واحدة فاسدة يعفن صندوق التفاح بكامله" وما قصدته أن نشر الفساد أياً كان نوعه يكون سريعاً وسهلاً، ولكن ما أصعب اجتثاثه وتنظيف أوساخه من الأنفس والأرواح في عصرنا هذا الملوث بكافة أنواع جراثيم الفساد، أننا في زمن يندر فيه الشرفاء أصحاب النزاهة وبياض اليدين من تلك الجراثيم والبكتيريا التي نتنفسها في كل لحظة لذا إن في إنشاء هذه الهيئة ولادة لمشروع التحدي والرهان الأخير .
نعم، يجب على القائمين على هذا المشروع اليوم وغداً أن يدركوا حقيقة طبيعة هذه الهيئة تمام الإدراك كما عليهم أن يتعلموا أن هناك "ديوان للمحاسبة" و "مباحث إدارية" والأهم تلك الهيئة التي سبق وأن شكلت برئاسة الشيخ محمد بن نويصر وغيرها من الإدارات والوزارات القائمة حالياً والتي تحمل طبيعة أهدافها جانب من اختصاص هيئتنا الجديدة ومع ذلك ننشئ هيئة جديدة ..ألا تعتقد معي أن في هذا إقرار من قبلنا بأن هناك خلل ما ..؟!