الأحد، 12 فبراير، 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف 5-5 "الجزء الثاني"


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
5-5
 30 ديسمبر 2005


أما ما أوردته جريدة الحياة في عددها الصادر رقم (15610) وتاريخ 27/11/1426هـ أي في نفس الأسبوع من خبر جريدة ا(الرياض) فهو يؤكد وجود منهجية معتمدة وقائمة لدى من ينتسب للهيئة بالاستخفاف بالأنظمة والقوانين القائمة في البلاد وتعمد الألتفاف عليها، والملفت للأنتباه أن هذا الاتهام لم يكن من ليبرالي فاسق إنما جاء من أحد كبار "المشايخ" و "القضاة" في مدينة  (الباحة) .
  يقول خبر جريدة "الحياة" الذي أرجو أن يعذرني القارئ بإيراده كاملاً للأمانة والدقة في منطق الطرفين كما أورده مراسل الجريدة "علي الرباعي" والذي حمل عنوان (الباحة : قاضي الجزائية يقاضي رجال "هيئة الأمر بالمعروف" تشهد منطقة الباحة حالياً قضية تعد الأولى من نوعها في السعودية من حيث أطراف الخصومة قاضي المحكمة الجزائية الدكتور/ محمد الظافري ورئيس فرع هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وخمسة من الأعضاء الذين يمثلون رؤساء مراكز في محافظات المنطقة .
  آخر تطورات فصول القضية هو طلب القاضي الدكتور/ محمد الظافري من إمارة المنطقة التدخل لإلزام رجال الهيئة بالحضور إلى هيئة الأدعاء والتحقيق، للتحقيق معهم في تثبيت صحة شكوى تقدموا بها ضد القاضي المذكور إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى وثبت أنها غير صحيحة .
  وكان رئيس فرع هية الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة الباحة وخمسة من الأعضاء العاملين كرؤساء مراكز المحافظات تقدموا بشكوى إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى الشيخ / صالح اللحيدان يتظلمون فيها مما يتعرضون له من قاضي المحكمة الجزائية الدكتور/ محمد الظافري، من تجاوزات كلامية بتهميش لشهادتهم على مرتكبي الموبقات ما دفع مجلس القضاء إلى إرسال مفتش قضائي للتحقيق مع الظافري الذي أذعن للمفتش وأطلعه على عدم صحة دعوى المدعين .
  لكن القاضي الظافري تألم من هذه الدعوة التي وصفها بأنها (كيدية) وخاطب امير  المنطقة الامير/ محمد بن سعود بن عبدالعزيز طالباً منه إحالة المدعين عليها لهيئة التحقيق والأدعاء العام لتتولى التثبت من شكواهم ومدى صحتها من بطلانها .
  وصدر التوجيه من إمارة الباحة إلى رئيس هيئة التحقيق والأدعاء باستدعاء أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتحقيق معهم إلا أنهم لم يتجاوبوا مع طلب الهيئة ما دفع رئيسها إلى مخاطبة مقام الإمارة مرة أخرى للتدخل في إلزامهم بالحضور بموجب الأنظمة وما نصت عليه الإجراءات الجزائية ونظام المرافعات وسألت الحياة القاضي الظافري حول معرفته بالأعضاء المدعين عليه وخلفيه الدعوى فقال : لا أعرفهم لكونهم يعملون في محافظات لا تتبع في إجراءاتها المحكمة الجزائية في الباحة وأكد القاضي الظافري أنه لن يرضى بالصلح أو التنازل حتى يثبت بطلان الدعوى التي تقدموا بها لرئيس مجلس القضاء الأعلى مشدداً على القول أن رجال الحسبة تجاوزوا أمير المنطقة منذ البداية وتوجهوا بشكواهم إلى مجلس القضاء رغم أن مرجعية المؤسسات الحكومية تؤول للحاكم الإداري في المنطقة .
  وتعليقاً على كلام القاضي الظافر قال رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في منطقة الباحة الشيخ / حسن سعيد الربيعي للحياة : إن بداية القضية كانت عبارة عن اختلاف في وجهات النظر ولم نتقدم بشكوى مباشرة ضد الشيخ القاضي الظافري لرئيس مجلس القضاء الأعلى وإنما كانت محاولة لإحالة القضايا المختصة إلى قاض آخر .
  وأضاف إن الشيخ الظافري فهم من خطابنا أننا نشكوه إلى رئيسه علماً بأننا لا نتهمه في دينه وأمانته لكنه "جعل من الحبة قبة على حد تعبيره" . وانتهى الخبر .
  أحببت أو أورد الخبر كاملاً وبالنص ليحكم القارئ بنفسه على ما يلي :
1-      لماذا تقدم رئيس هيئة الأمر بالمعروف والخمسة الآخرون من أعضاء الهيئة في محافظات أخرى إلى رئيس مجلس القضاء الأعلى يطلب إحالة القضايا لقاض آخر مع أن رئيس هيئة الأمر بالمعروف حسين سعيد الربيعي لا يتهم القاضي الدكتور/ الظافري في دينه وأمانته ؟
2-      بما أن المسألة لدى رئيس هيئة الأمر بالمعروف مجرد اختلاف في وجهات النظر فلماذا البحث عن قاض آخر؟ فهل الأحكام القضائية الشرعية تخضع لوجهات نظر متفاوته ومتباعده إلى هذا الحد لتقديم خطاب شكوى وطلب تغيير القاضي ؟
3-      يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "ادرؤوا الحدود بالشبهات: ولو رجعنا إلى النظام القضائي في الإسلام لوجدنا أن الكثيرمن القضايا ردت بسبب الشبهات ولنرجع إلى قصة الزانية التي ردها الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من مره فهل تريد الهيئة من القضاة أن يصدروا أحكامهم بناءً على التقارير التي تقدمها الهيئة بلا أية اجتهادات من القضاة ؟
4-      باعتراف رئيس هيئة الأمر بالمعروف/ حسين الربيعي بتقديم خطاب الشكوى ضد القاضي/ الظافري إلى رئيس القضاء الأعلى / اللحيدان هو اعتراف مباشر بتجاوز أعضاء هيئة الأمر بالمعروف للحاكم الإداري أمير المنطقة، وتأكيد على عدم التقيد بالأنظمة والقوانين المتبعة في البلد كمنهج متبع لديهم!
5-      إن أكبر استخفاف بنزاهة وكرامة الآخرين، وحق رد الاعتبار لأنفسهم قول رئيس هيئة الأمر بالمعروف/ حسين الربيعي أن القاضي "صنع من الحبة قبة" والقاضي الظافر الذي اتهم في صحة أحكامه القضائية الشرعية والذي أثبت كيدية الشكوى من الخمسة أعضاء في هيئات الأمر بالمعروف لمحافظات أخرى لا يعرفهم ولا يعرفونه والذي يطالبون بإحالة قضاياهم لقاض غيره ويتظلمون مما يتعرضون له من تجاوزات كلامية بتهميش شهادتهم على مرتكبي الموبقات .
6-      ماذا يعني للقارئ ما ذكره القاضي/ الظافري أن هناك طلباً من هيئة الأعداء والتحقيق للخمسة أعضاء هيئة الأمر بالمعروف ولكنهم لا يستجيبون لطلب المثول أمام هيئة الأدعاء والتحقيق ؟
7-      أما القصة الأهم من ذلك فهي ما حدث لأحد المسؤولين من أبناء كبار الأسر وأعرقها في المملكة هو رجل أعمال له سمعته ومكانته ولديه من الأشغال والهموم والقضايا ما يئن منها جبل (أحد) إلا أن هذا الرجل ودون أية مقدمات فوجئ بطلب استدعائه من إمارة منطقته ليبلغ أن هناك اتهاماً موجهاً ضده من رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المدينة التي يسكن فيها بخطاب شكوى تقدم به إلى الإمارة يقول فيها "بأن صاحبنا ذو سوابق إجرامية ومطلوب أمنياً وأنه كان يقف بسيارته أمام المسجد وقت الصلاة ومعه إمرأة في حالة خلوة شرعية دون الاستناد إلى أي دليل يذكر أو واقعة أو حتى شهود فالرجل المتهم يعرف نفسه جيداً، وعندما طالب الإمارة التي تعرفه بنسخة من خطاب رئيس هيئة الأمر بالمعروف ليعرف التهم الموجهة إليه كحق قضائي وشرعي رفضوا إعطاءه نسخة من الخطاب وأبلغوه بعد ستة أشهر من الشد والجذب مع الإمارة أنهم أحالوا الشكوى إلى هيئة الأدعاء والتحقيق وعندما ذهب من يمثله وينوب عنه إلى هيئة الأدعاء والتحقيق قيل له : لا بد أن يأتي المتهم بنفسه ولا جئنا به مكبلاً ومخفوراً ؟!
  السؤال الذي يفرض نفسه في حالة صاحبنا يقول : كل القوانين والأعراف السماوية والدنيوية لا تأخذ أية شكوى دون الشهود والأدلة المادية والمعنوية وإلا أصبحت البلاد في فوضى عارمة فكل شخص يغضب من آخر ويريد أن يشغله بنفسه ويصرفه عن رزقه يكتب به شكوى ليتم إشغاله بالتحقيقات من دائرة رسمية لأخرى وأن في ذلك تطبيقاً للقاعدة الفقهية التي تقول : (أن البينة على من أدعى) فهل يسعى رجال الهيئة إلى الإصلاح والدعوة بالتي هي أحسن والمعروف؟ أم لاهم لهم سوى رمي التهم يمنة ويسرة ويشغلون المسلمين بأنفسهم ؟!
  كما أنني أتساءل : أين إمارات المناطق من هذه المسألة؟ إن أي خطاب شكوى إن لم يكن مرفقاً معه أدلة ووقائع يجب أن يرفض ولا تتعامل الأمارة معه بجدية. ولا يحق لها استدعاء الآخرين وتعطيل أعمالهم ومصالحهم بموجبه، بل لا بد أن يحاسب من يقدم خطاب الشكوى إن لم يثبت للإمارة أولاً أن لديه الأدلة الكافية والشهود لإدانة من يشتكيه ويريد الاقتصاص منه ثم إنني لا أدري كيف ترفض الإمارة الطلب الذي تقدم به صاحبنا للحصول على نسخة من خطاب الشكوى المقدم من رئيس الهيئة ليعرف الاتهامات الموجهة إليه؟ وأي منطق عقلاني وشرعي يقف وراء الرفض ففي القضاء للمدعى عليه الحق المطلق في معرفة أدق تفاصيل حيثيات الشكوى والأدلة المستنده إليها الشكوى ليدافع عن نفسه؟ إن الإمارة بهذا التصرف وضعت نفسها في دائرة الاتهام والتواطؤ مع الهيئة بعدم إعطاء المدعى عليه أبسط حقوقه وهو نسخة من خطاب الشكوى المقدم من رئيس هيئة الأمر بالمعروف. ثم كيف تكون لغة هيئة الأدعاء والتحقيق بهذا الشكل على المدعى عليه أن يحضر وإلا جئنا به مكبلا ومخفوراً؟! والسؤال الأهم: إذا كان صاحبنا مجرماً وذا سوابق ومطلوباً للقضاء كيف تتركه الإمارة يغادر بمجرد تبليغه الشكوى؟ وإذا كان ذا سوابق لا بد أن الجهات المعنية كوزارة الداخلية لديها علم بذلك وهي أولى من هيئة الأمر بالمعروف بشكواه ورفع قضية عليه..  ولكن وزارة الداخلية تقول: "ليس لدينا أي شيء على المدعى عليه" . أما التهمة الأخرى فتناقض نفسها بنفسها، فإذا لم يتم إلقاء القبض عليه فكيف عرف رئيس هيئة المنطقة أن المرأة التي معه بالسيارة لا تحل له ..هذا إذا كان بالفعل هناك سيارة وإمرأة ؟! ثم هل يعقل أن يكون هناك شخص يخرج مع إمرأة في خلوة غير شرعية ويوقف سيارته أمام مسجد وقت صلاة العصر على مرأى المصلين؟!
  إنني أعتقد أنه يجب على رجال الهيئة الذين يعملون على (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ألا يكون الأصل في عملهم والهدف منه عقاب الناس وفضحهم وتناول أعراضهم وتحطيمهم نفسياً وخاصة النساء، وكأن رجال الهيئة حاقدون على المجمتع وليس لهم أي عمل سوى تتبع النساء اللائي يتطلب التعامل معهن تغليب جانب الحكمة والستر وفق الضوابط الشرعية .
  لقد دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التحلي بحسن الخلق وعدم الزجر والتجريح وسوء الظن في مثل هذه المسائل الحساسة التي حذر الله عز وجل من الوقوع فيها أو اتهام الناس جزافاً بها حيث قال تعالى (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا) الآية 15 سورة النساء .
  كما شدد الرسول صلى الله عليه وسلم أيضاً في هذا الأمر ومن بعده أصحابه الكرام حيث قام الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتنفيذ الحكم على بعض الصحابه رضوان الله عليهم بالجلد لعدم الإيفاء بالشهود الأربعة في مسألة الزنا امتثالاُ لقوله تعالى (وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا) الآية 4 سورة النور .
  إن اعتراف القائمين على هذا الجهاز (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالآونة الأخيرة بضرورة العمل على تأهيل الكوادر التي تعمل في أجهزة الهيئة شرعياً ليكونوا قدوة حسنة في التعامل وتحسين أدائهم الدعوي والرفع من مستواهم العلمي من خلال تنظيم الدورات التدريبية في كافة العلوم الشرعية وفي طرق التعامل مع الجمهور وفي العلاقات العامة وحسن التصرف أثناء المواقف الصعبة حتى لا تتكرر مثل هذه التجاوزات الت تحدث كثيراً، هو اعتراف ضمني بأن هناك أخطاء وتقصيراً حقيقياً كان يحدث ولا زال وإن كنت أقول لهؤلاء المسئولين إن المسألة بأعتقادي أكبر وأعمق من مسألة التأهيل ومع ذلك نجد أن كل من يتعرض للهيئة وينتقد تصرفات بعض منسوبيها وما لهذه التصرفات من انعكاسات سلبية على صورة الإسلام وسماحته يهاجم من قبل جماعات ليس لها أول ولا آخر عبر حملات منظمة ومدروسة لها أسماء وهمية تضع بيضها الفاسد على كل ركن وموقع في الشبكة العنكبوتية لإقصاء كل وجهة نظر تنتقد الهيئة، وإذا سنحت لهم الفرصة فإن رجال الهيئة القريبة لمنزله يسعون لإلقاء القبض عليه بأية تهمة، وإرهابه بكتابه التعهدات وتخويفه بالتشهير به .
  لقد شاهد الجميع كيف هب المجتمع السعودي بكافة ألوانه وأطيافه ..النساء يتسابقن قبل الرجال للتبرع بالغالي والنفيس حملة مملكة الإنسانية لمساعدة أخواننا في باكستان بينما نجد ذات المجتمع يتناقل العديد من القصص والروايات عن (الهيئة) ويحمل صورة سلبية عن (الهيئة) وأفعال بعض منسوبيها ..فهل السواد الأعظم لمجتمع أرض التوحيد وبلاد الحرمين الشريفين يكره دينه الإسلامي ومتآمر على (الهيئة) أم أن التسلط على النساء، وتتبع أمورهن ونبش خفاياهن ومنع العوائل من الاستمتاع بالأماكن العامة مع بعضهم البعض في المدن الترفيهية مثلاُ، والمنع من دخول المطاعم أو الأماكن التجارية لأي أمرأة وأطفالها بدون محرم دون أي مراعاة لظروفها وكأن المجتمع ليست به نساء لا يوجد لديهن محرم في بعض الأوقات كأن تكون مطلقة أو أرملة .
  وحتى لا تفقد (الهيئة) الهدف من إنشائها ووجودها وتحارب من قبل المجتمع لا بد من محاسبة ومعاقبة منتسبيها الذين يتجاوزون الحدود بالأعتداء والتعرض والتشهير دون دليل أو أدنى وجه حق كما لا بد من وضع حد لبعض المنتفعين وأصحاب النفوس المريضة، والظرة الضيقة الذين ولجوا إلى (الهيئة) وكأن هدفهم الأنتقام من هذا المجتمع وبالتالي إحراج الحكومة التي تحرص على استقرار وسلامة المجتمع .

وفي الختام .. لا يسعني سوى القول أنني أحببت عبر سلسلة هذه المقالات أن أضع الصورة الحقيقية لهذه الشعيرة في ديننا الإسلامي الحنيف والقائمة على استخدام الرحمة والرفق واللين والسماحة في ممارستها وأنها مهمة وعمل ارتبط بالأنبياء والرسل المحبين لمجتمعاتهم وإن ممارستها مبنية على ضوابط وشروط واضحة وصارمة ترى في اللين والأخذ بالرفق الأصل والأساس لتحقيقها، وأن الدين الذي يحث على لرحمة بالحيوانات ويدعو للرفق بها هو دين لا يمكن بأي حال من الأحوال يدعو إلى امتهان كرامة الإنسان والإساءة لها خصوصاً إذا كان هذا الإنسان مسلماً كما أنني أنادي بعدم الخروج عن الغايات والأهداف النبيلة التي تدعو إليها هذه الشعيرة خوفاً وحرصاً على عدم إعطاء ذريعة ومدخل للهجوم على الإسلام وتعاليمه السمحاء مع تمنياتي أن يكون لرجال الهيئة والأمر بالمعروف دور مع الدولة لمكافحة الفئة التي غالباً ما تكون مقراتها المليئة بالأسلحة والذخيرة أقرب لمباني الهيئات ومقارها من الاستراحات والشقق الي يداهمونها ويعرفون خفاياها كما يدعون .؟!

السبت، 11 فبراير، 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف 5-5 "الجزء الأول"


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
5-5
 30 ديسمبر 2005

  يطرح البعض تساؤلاً منطقياً يقول : لماذا يكثر الحديث عن أخطاء وتقصير (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في مجتمعنا بينما هناك أخطاء لوزارات : الكهرباء والاتصالات والمواصلات والبلديات ..وغيرها حتى داخل غرف عمليات مستشفيات وزارة الصحة وغيرها من المستشفيات الخاصة حيث تزهق أرواح وتحدث وفيات على يد الأطباء والجراحين ؟
  إن إجابتي عن هذا السؤال تقول من حيث المبدأ نتفق جميعاً على رفض حدوث الأخطاء في الأداء وعدم القبول بالتقصير في العمل أياً كان نوعه ومستواه وأهميته من قبل أي موظف في أية وزارة أو إدارة أو هيئة حكومية وأنه لا يحق لأي موظف كائن من كان تجاوز النظام أو أن يكون فوق القانون بل أن الجميع سواسية وتحت القانون في المساءلة والمحاسبة وضرورة العقاب على التقصير والخطأ .
  مما سبق يتفق الجميع معي أن الطبيب والجراح الذي يخطيء في غرفة العمليات أو يقصر وإن كانت نيته سليمة وهدفه سام (إنقاذ حياة المريض) إلا أنه قصر أو أهمل أو أخطأ أثناء العملية ليموت المريض بين يديه يجب أن يحاسب و "يعاقب" بعد أن يمثل أمام القضاء المختص وتشكل له لجنة على الفور وهذا ما يحدث في وزارة الصحة حالياً حيث يتخذ بحقه العقاب المناسب واللازم إن ثبت تقصيره وخطأه أما إذا ثبت تكرار الخطأ أو التقصير أو حتى الإهمال يوقف وتسحب منه رخصة مزاولة المهنة مع العلم أن المريض جاء إليه بمحض رغبته واختياره أو باختيار أهله وذوية المخلصين له، كما أن المريض قبل بالعملية ووقع على نسبة فشلها إن كانت تلك النسبة كبيرة أو قليلة لكن حدوث الخطأ أو التقصير أو الإهمال لا يعفيه من المحاسبة ونيل العقاب المناسب بغض النظر عن نبل وسمو نية الجراح الطبيب وقصده .
  على ضوء ما سبق وموقفنا كأفراد أو المجتمع بكامله من معاقبة ومحاسبة المهمل أو المقصر أو المخطئ أو المتجاوز من قبل الدولة مهما كان نبل وسمو هدفه ودرجة حماسه وحيث إن (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) هيئة رسمية حكومية والعاملون بها موظفون مثلهم مثل باقي موظفي الدولة لهم مناصبهم ومراتبهم ومسمياتهم الوظيفية وترقياتهم ويتسلم كل فرد منهم راتباً آخر كل شهر من الدولة ويعملون على سيارات حكومية تصرف لهم نفقة محروقاتها، كما أننا نعتقد أن تعيينهم في الهيئة جاء بناءً على التراضي بين الطرفين كما جاء بناء على شروط ومواصفات مسبقة وضعت كشرط للتوظيف كالمؤهلات العلمية وشهادات حسن السيرة والسلوك وغير ذلك من الشروط، وأن هذا الموظف يفترض به كباقي موظفي الدولة أن يكون ملتزماً بأداء عمله حسب الضوابط التي تخدم المصلحة العامة كما أن الموظف حريص على تحقيق أهداف الهيئة مثله مثل باقي موظفي الدولة إذا هو أهمل أو تجاوز أو قصر أو أخطأ، وأن يحاسب ويعاقب حتى ولو كانت نيته أيضاً نبيلة وسامية وإلا لماذا نطالب أن تعاقب الدولة الطبيب والجراح الذي أخطأ وهو من جاءه المريض إلى عيادته ولا نطالب الدولة أن تعاقب وتحاسب منتسب الهيئة إذا تجاوز أحدهم أو أخطأ أيضاً ؟! لا بل خطأ أو إهمال أو تقصير أو تجاوزات موظفي (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أعظم بالنسبة لي من خطأ الطبيب أو الجراح لأن خطأهم أو تقصيرهم كما سبق وأن ذكرت في الحلقة السابقة يمس صورة الأمة الإسلامية بكاملها وليس فرداً واحداً كما يمس صورة دين قويم وأن في هذه الأخطاء هدية ثمينة وفرصة للمتربصين بهذا الدين وأعدائه وجائزة لأولئك المغرضين والحاقدين حتى على الدولة إن أخطاء الدعاة أياً كانوا تختلف عن باقي الأخطاء لأنها بحق ديننا الذي هو عماد حياتنا وأساس وجودنا وسبب بقائنا على هذه الدنيا وليس خطأ في سفلته شارع أو تأخر في رصفه أو إنارته من قبل بلديه .
  من هنا أستغرب محاولة الألتفاف وخلق نوع من الأزدواجية في الدولة وقوانينها فالحملات التكفيرية الشرسة والهجوم والويل والثبور لمن يقف ويصرخ حرصاً وخوفاً وإخلاصاً وغيره على دينه كما هو دين أولئك الآمرين بالمعروف حين يقال لهم : لماذا الخطأ ؟ ولماذا التكرار في حدوث نفس حالات التجاوز أو التقصير التي أساءت لديننا؟ من المسؤول عن تلك الأخطاء وتحمل تكرارها؟ ولماذا لا تشكل لجنة مختصة حتى يحاكم ويحاسب ويعاقب منتسبو الهيئة إذا ثبت منهم خطأ أو تقصير أو إهمال كما أن هذا الشيء مطبق على بقية المسلمين من أبناء الدولة وموظفيها الآخرين؟ لماذا موظفو الهيئة يرفضون المحاسبة والعقاب ويربطون بين من يطالب بتطبيق ذلك عليهم بالتعدي على الدين وعلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم ويكيلون له شتى أنواع التهم؟ أين أصحاب الرأي والحكمة والعقل الراجح من كبار علمائنا للتدخل والتصحيح لإيقاف أفعال تشويهية لصورة الإسلام؟
  كما أنني اتفق من حيث المبدأ على أن القائمين على أداء رسالة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) معرضون كغيرهم من الوقوع في الأخطاء لأن الخطأ ليس مقتصراً على أهل الدعوة فقط وإنما على جميع الناس وكافة العاملين في جميع القطاعات وأصعدة المسؤوليات وهذا ليس دفاعاً عنهم إنما هي طبيعة البشر وسنة كونية ولكن مالا أفهمه وأدركة أن تتكرر نفس الأخطاء وتزداد إلى درجة كبيرة دون رادع .
  من هنا أجد أنه من الطبيعي أن تصبح الهيئة وأخطاء منتسبيها على لسان كل الناس وأن هذا الأمر يتطلب الوقوف والتنبه له من قبل الدولة، لقد أوردت إحدى الصحف المحلية مؤخراً تعرض مواطن وزوجته لأعتداء من رجلين في (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ومعهم – وللأسف – رجل أمن وقاموا بضربه وزوجته بدعوى الاشتباه بهما بينما كانا أمام شقتهما في حي (النزهة) شمال الرياض .
  فمثل هذه الحادثة وغيرها من الحوادث المماثلة الكثيرة للأسف والتجاوزات العديدة لا تصب في مصلحة الدولة ومؤسساتها مما يستدعي الوقوف عندها بكل جدية وحزم لتدارك الموقف حتى لا تتكرر مثل هذه الأعمال التي تسيء إليها فالهيئة في نهاية المطاف إدارة حكومية مسؤولة عنها الدولة كما أن الدين الإسلامي بريء من تصرفات هؤلاء وسلوكياتهم فقد دعا إلى الرفق والرحمة وحسن الخلق في التعامل فكيف بنا إذا قام الذين يناط بهم نصرة هذا الدين وتوجيه الناس إلى الرشد بارتكاب مثل هذه الأخطاء الفادحة دون محاسبة ومعاقبة ؟!
  عند قراءتي لتلك الحادثة التي أوردتها الصحيفة تأكد لي تماماً ضرورة الوقوف والمراجعة واتخاذ موقف واضح ووضع حد لمثل هذه التجاوزات التي تمس استقرار المجتمع وكيانه فالعرض والشرف أثمن وأعز مما يدافع عنه المرء ويموت في سبيله شهيداً، لذا لا بد من موقف يقول للجميع أنكم في دولة القانون وأن لا أحد فوق القانون، كما لا بد من إيقاف حملات مواقع الإنترنت والمنتديات التشويهية للصحيفة والقائمين عليها بإقفال هذه المواقع ومعاقبة أصحابها ومعاقبة من يكتبون فيها مثل تلك الإساءات التي تخلق روح العداء بين أفراد المجتمع .
  وما أن هدأت هذه القصة حتى فاجأتنا جريدة (الرياض) في عددها رقم (13698) وتاريخ (23/11/1426هـ) بأغرب منطق سمعته أو قرأته في حياتي، منطق احتقاري واستخفافي بالآخرين والمقصود بالآخرين هنا هم "سعوديون مسلمون" يقول : المواطن (ع.ن.ع) بينما كنت أسير وحدي في شارع (صفوان التميمي) بحي منفوحة الساعة التاسعة والنصف مساءً وإذا بثلاثة رجال يهجمون علي من الخلف حيث قاموا بضربي ضرباً مبرحاً ومزقوا ملابسي واقتادوني إلى سيارة مدنية وأركبوني بالقوة "وأنا في حالة ضعف وهوان من شدة ما تعرضت له من ضرب أمام أعين الناس. وبعد أن أبرز بطاقة الأحوال (هويته) وأثناء معاينتها من قبلهم قالوا بكل أسف لم تكن أنت الرجل المطلوب لدينا ونحن نعتذر إليك ونرجوا أن تقبل اعتذارنا عن هذا الخطأ.
  والسؤال الذي يفرض نفسه علينا : هل وصلت العبثية والفوضى والتعدي على الآخرين بالاعتداء عليهم حتى وإن كانو متلبسين بالجرم المشهود إلى هذا الحد؟ أليس المتهم المدان لهم حقوق لدى أقسام الشرطة سعت وزارة الداخلية لسنها وتثبيتها لدى كافة الجهات المعنية؟ أليس في هذا التصرف ضرب الحائط بكافة أعراف وقوانين الدولة ..لا بل حتى قوانين الله وتعاليم دينه وما أنزل في سنة نبيه التي اساؤوا لها بهذا التصرف المشين؟ أليس المتهم بريء حتى تثبت إدانته فما بالنا إذا كان شخص يسير في أمان الله وحده في الشارع؟ أليس في ذلك إرهاب للمواطنين الآمنين وإرعابهم وتخويفهم؟ ثم أليس إرهابهم هذا شبيه بإرهاب أصحاب القنابل وإطلاق الرصاص على الآخرين لأن لهم رصاصاً من نوع آخر أكثر فتكاً من الرصاص التقليدي؟ هل يعتقد من قام بهذا الهجوم والضرب المبرح وسحب الآخرين على وجوههم في الشارع أمام أعين الناس أنهم ليسوا بشراً وأنه لا كرامة لهم، ولا قيمة؟ وأي اعتذار يتحدثون عنه؟ لماذا لا يقدم من قام بهذا العمل المشين إلى القضاء لتتم محاكمته بصورة نظامية؟ ولكن هل سيتعاطف القضاة معهم أم مع الضحية؟ ولماذا لم نسمع منهم التزاماً بفتح تحقيق عاجل ومعاقبة من يثبت خطؤه وتقصيره؟ أليس المنطق يقول بتحمل المسؤولين في الهيئة جزءاً من هذا الذي يحدث على يد موظفيهم؟ ثم كيف يطالبون الضحية بقبول اعتذارهم ونسيان الخطأ معتبرين حسب ما ورد في خطاب اعتذارهم أن الخطأ من طبائع البشر ومنطقهم العملي يقول عكس ذلك ؟ هل هم بالفعل مؤمنون بأن تقصير الآخرين وأخطاءهم طبيعة بشرية؟ أليس في أسلوبهم هذا تعبير صارخ عن أن الأصل لديهم هو أن الناس كافة على خطأ وضلالة يجب معاقبتهم ومراقبتهم دون رحمة أو هوادة ؟
وأخيراً ..هل بالفعل لا ينقصهم سوى الدورات والتأهيل أم أن المسألة تدخل في منطق أكبر بكثير من الدورات ؟

يتبع ..والختام ..

الجمعة، 10 فبراير، 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف 4


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
4-5
23 ديسمبر 2005

  تناولت في الحلقات الثلاث السابقة عدة أمور أهمها أن عمل (الحسبة) أي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من أعظم المهام الجليلة والعظيمة التي يقوم بها الإنسان المسلم المؤمن وأن هذا العمل ارتبط أصلاً بـ(الرسل) فالدعوة إلى الله ودينه ليست أمراً مطلقاً يفعله كل من شاء بل إن لها "شروطاً" و "ضوابط" لا بد من تحققها و "صفات" يتحتم توافرها في الداعية لكي يحقق الهدف السامي الذي يصبو إليه . لا بد لي أن استعرضها في سياق سلسلة مقالات هذه لنقارنها جميعاً بمدى ما هو واقع على الأرض ومعمول به من قبل الجهات المعنية في انتقائية رجال الحسبة واختيارهم لهذا العمل؟ وما مدى التزام من يمثل الدعوة في عصرنا الحالي بضوابط وشروط ممارسة مهمة الرسل صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين ؟ على النحو التالي :
أولاً : أن يكون "المحتسب" مسلماً لأن الحسبة تهدف إلى إصلاح الناس وحماية الدين ولا يقوم بهذا إلا مؤمن بالدين وأن يكون المحتسب عاقلاً يميز بين الخير والشر، والحلال والحرام وأن يكون عادلاً يعمل بما يأمر الناس به ويدعوهم إليه، وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارفاً عالماً بالمعروف الذي يدعو إليه والمنكر الذي ينهى عنه لأنه إذا لم يكن عارفاً بهما لا يؤمن أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف حيث قال تعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ. يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) الآية 116 سورة النحل .

ثانياً : يجب على الداعي بالمعروف أن يكون بصيراً بالأمور وعواقبها فيعرف ما قد يترتب على أمره ونهية بحيث يعرف موقع ما يقوم به هل يؤدي أمره ونهية إلى منكر أكبر فيحجم فيدرأ السيئة الكبرى بالسكوت عن الصغرى فلا ينهى عن شرب خمر وهو يعلم أن نهية هذا سيؤول إلى قتل نفس معصومة مثلاُ، وقد استدل العلماء في ذلك بقول الله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) الآية 109 سورة الأنعام .

ثالثاً : يتطلب الأمر كذلك أن يكون (المحتسب) على علم بحال المدعوين  وأعرافهم ونفسياتهم وتقاليدهم وعاداتهم بحيث يأتيهم من المدخل الذي يسهل انصياعهم لدعوته وعدم نفرتهم منه وهذا مهم جداً لكل داع إلى خير ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" وهي الإبل النفيسة. فالجاهل بأحو المدعوين لا يؤمن أن يحصل له عكس ما قصد وربما نشأت عن دعوته مفاسد كبيرة تضر بالإسلام والمسلمين .

رابعاً : ينبغي على الداعية أن يكون طويل البال واسع الصدر لا يتسرع بالإجابة وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة فإنه لما خرج من الطائف بعدما آذته ثقيف ولم يستجيبوا لدعوته بل ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه فأتاه "ملك الجبال" وقال له إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أعمل بأمرك أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين (الجبلين العظيمين) فقال عليه الصلاة والسلام : لا لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً .

خامساً : يجب على الداعية أن يتدرج في "أمره" و "نهية" بحسب حال من يدعوهم ويجعل نفسه بمثابه الطبيب مع المريض الذي قد يؤجل العلاج عنه فترة ثم إذا كان مهيئاً بدأ بعلاجه ولكن على جرعات قد تمتد أياماً وليالي وقد تستمر شهوراً بل قد تمتد سنين طويلة بحسب المرض والداعية البارع يقدر حال المدعوين إذا قد يكتفي في البداية بالأتصال بهم ومخالطتهم وإيناسهم وإذا ما رأى أن الفرصة سانحة بدأ شيئاً فشيئاً وأن يبدأ بالأهم قبل المهم ويأمر بالأركان قبل الواجبات وبالواجبات قبل المندوبات وينهى عن الموبقات من الكبائر قبل المحرمات الدنيا وهكذا وقد علم هذا من منهجه صلى الله عليه وسلم فقد مكث في مكة زهاء ثلاثة عشر سنة وهو يدعو إلى التوحيد ومكة تمارس فيها صنوف المعاصي .

سادساً : يستدعي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أن يكون القائم بهما رفيقاً حليماً متسامحاً وأن يتجنب "العنف" لأن العنف لا جدوى منه بل هو ضار وكثيراً ما يأتي بأوخم العواقب لا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه المتعلمون والمثقفون الذي يحتم المدخل إليهم التعامل معهم بالحوار الهاديء الرقيق بعيداً عن القسوة والحدة حتى لا ينفروا أو ينأوا بأنفسهم عن الخير وصدق الله في قوله (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) الآية 159 سورة آل عمران .

سابعاً : نشير هنا إلى ضرورة أن يتحلى الداعية بالصبر وتحمل ما قد يلاقيه من العنت والتعب ويعلم أنه قد يؤذي بالكلمة أو بالإشارة ولذلك لا بد له من الصبر أما من يتحمل هذه المسؤولية ثم تحدث له فتنة إذا أوذي أو أسيء إليه فيثور ويقوم بالأنتقام من خلال السلطة التي يتمتع بها كرجل حسبة فهذا ليس مرشحاً لهذه المهمة ويجب عليه أن يأخذ بقوله تعالى (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) الآية 3 سورة العصر .

ثامناً : يجب على الداعية أن يدفعه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) دافع الإخلاص لدينه والإصلاح للمجتمع بعيداً عن المطامع الدنيوية وبهذا الأسلوب سيسدد بإذن الله ويوفق وسيعدل في الناس فلا يعامل أحداً بشراسة وعنف، وقهر وقوة بل يتعامل مع الآخرين باللين والسهولة و التسامح ونحذر في هذا المجال من صاحب الطمع المادي الذي ربما يجره طمعة ليقول : إن هذا المنكر معروف ويبرر للعاصي معصيته ويكون ذلك من المصائب الكبرى التي تحدث في المجمتع .
  وعلى الداعية المخلص أن يحتسب أجره على الله وأن يسهر ويتعب ويتواضع للخلق ويرحمهم ويبذل ما يستطيع لإيصال كلمة الحق إلى المحرومين منها وأن يأخذ بمبدأ القدوة الحسنة : فالقدوة الحسنة قد تؤثر في النفس أكثر الأحيان أكثر من الكلمة ولذا لا بد من أن يكون ملتزماً في نفسه كما قال الله تعالى عن شعيب (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ) الآية 88 سورة هود . بل إن الله عز وجل ذم الذين تخالف أفعالهم أقوالهم في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) الآية 2 سورة الصف .

تاسعا : ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على جانب من الدين والخلق والصفات الجميلة الأفعال الحميدة وأن يكون بعيداً عن التشدد والتكلف وأن يتصف بما يأمر به بعيداً عما ينهى عنه . وأن يكون عمله تحت ضوابط وشروط وتحت قيادة ذات خبرة ومعرفة في هذا المجال مع التنبيه إلى عدم "اندفاعهم" و "تحمسهم" على وجه يترتب عليه مضار ومفاسد تشوه وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضضعف الإيمان" .
  فيشرح العلماء هذا الحديث إلى أن "الدرجة الأولى" هي مهمة الولاة والمسؤولين أي الإمام (إمام المسلمين) ومن ينوب عنه في هذا الباب وقضية التغيير باليد يسبقها (الإعلام والتوجيه والتوعية) إذا لا يؤخد الناس على غرر وعلى جهل ولا بد من دراسة سبب المنكر ثم معالجته بالتوجيه و النصيحة أولاً ثم بالعفو ثانياً إلا في ما لا يعذر فيه كسرقة مثلاُ أو زنى أو شرب خمر وغير ذلك من المنكرات المعروفة من الدين بالضرورة فهذه عندما يقارفها شخ في بلد إسلامي يطبق عليه الحد وهذا شأن ولاة الأمر .
أما "الدرجة الثانية " فهي للعلماء" وطلبة العلم والدعاة والعارفين بالأحكام الشرعية فهؤلاء لهم الحق أن يبينوا حكم الله ولكن بالأساليب المرغبة كل على قدر عقله وفهمه فإذا خاطبنا عالماً بدين من الأديان لا يكون وزنه كالجاهل ولعل قصة (معاذ) رضي الله عنه عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له : إنك ستأتي قوماً أهل كتاب يعني تهيأ لهم بالإجابة عن تساؤلاتهم ومناقشتهم فيهم سيناقشونك عن علم بالكتاب فإذا لم تكن مؤهلاً فلا يجوز لك أن تدخل معهم في حوال ولهذا قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) الآية 64 سورة آل عمران .
  وهذه المرحلة هي مهمة أناس معينين وليست الغوغائيين ولا الجاهلين ولا العابثين أو منتهزي القرص إذ قد يدخل في هذا الباب بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من له أغراض سيئة في المجتمع يريد إثارة الشبهات أو تفكيك الأمة وتمزيقها من الداخل أو التحريض بين الناس وإثارة العصبيات والمذهبيات أو من ليس لديه القدرة على بيان الحقيقة فيسيء إلى الدين أكثر مما يحسن .
أما "المرحلة الأخيرة" فهي الإنكار بالقلب وهذا لكل مسلم ومسلمة فإن لم تكن مسؤولاً تنفيذياً أو عالماً شرعياً وترى أن هذا حرام بحكم فطرتك السليمة وبحكم ما تسمعه من الموجيهن والمعلمين فموقفك هنا موقف المتألم قلبياً والقصد منه هو إعتقاد حرمة هذا الحرام وإعتقاد عدم مشروعيته فإن رأيت ارتكاباً للمنوع ضاق صدرك وتألمت وظهرت  الإنكار عليك فهذا من دلائل الإيمان .
  وهذه الدرجات الثلاث تجعل الأمة كلها مشتركة في شعيرة الحسبة لكن كل على حسب قدرته وقال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) الآية 16 سورة التغابن .
  فعمل اليد ليس عمل كل واحد من الناس يتصدى لذلك حسب هواه وإنما هي لا تتأتي إلى ممن وضعت بيده هذه المسئولية وهؤلاء لهم حق الإتلاف أو الضرب أو التأنيب أما عامة الناس وطلبة العلم فليس من حقهم أن يسارعوا إلى ذلك إذا لم يؤذن لهم فيه من قبل السلطة القائمة على أمر الدين لأنه في حال وقوع ذلك يحدث شر وفتنة وفوضى في المجتمع .
  وإن أمر "الحسبة" وهو فرض كفاية يرى العلماء الدول التي لا تهتم بهذا الأمر لا تجند له أشخاصاً أو تأذن لهم بأن يكون فقط بالكلمة والنصيحة التي تلقى في وسائل الإعلام والمناهج التعليمية وفي الأندية وغيرها في تلك المجتمعات فإن القدوة الطيبة التي تتمثل بحسن السلوك والسمعة والمعاملة الحسنة ستكون خير داعية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
  مما سبق .. لا شك أن العديد من الأسئلة ستقفز إلى ذهن القارئ أياً كان هذا القارئ ومنها على سبيل المثال لا الحصر : أين القائمون على عمل الدعوة والممارسون للحسبة في يومنا هذا من هذه الشروط وتلك الضوابط ؟ وكيف يحاسب الدعويون عما مضى ووقع وما يقع وما قد يقع في المستقبل من قبل موظفيهم العاملين معهم في هذا الحقل من أخطاء أو حتى تقصير نتيجة عدم مراعاة هذه الضوابط وتلك الشروط ؟ ثم هل يجوز لنا المقارنة بين ما هو معروف عن عمل "الحسبة" و "المحتسبين" وهم من زهدوا في هذه الدنيا تقرباً وتحسباً لما عند الله أولئك الذين احتسبوا أجرهم عند الله في (عدوتهم للناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فهؤلاء موظفون لهم مناصبهم ومراتبهم الوظيفية وترقياتهم يتسلم كل فرد منهم راتباً آخر كل شهر من الدولة ويعملون على سيارات حكومية تصرف لهم نفقة محروقاتها أي أنه موظف حكومي كأي موظف في إدارات الدولة ووزاراتها عليه أن يكون مؤهلاً للوظيفة وملتزماً بشروطها وحريصاً على تحقيق أهدافها إذا هو قصر أو أخطأ يعاقب وإذا أحسن يكافأ ؟ ما الذي يهدف إليه القائمون على الهيئة من هذا التجاهل والإهمال أو الإخلال بهذه الضوابط والشروط من قبل السواد الأعظم من العاملين في هذا الحقل "الحساس" الذي يمثل واجهة الإسلام وصورته وأسس تعامل أعظم دين وخير أمة مع البشرية جمعاء بكافة أطيافها وصورها وألوانها ؟ من المسؤول عن أخطاء هؤلاء العاملين أو حتى تقصيرهم ؟
  لأن أخطاءهم أو تقصيرهم يمس كيان أمة وصورة دين قويم ..لأن أخطاءهم هدية ثمينة وفرصة للمتربصين بهذا الدين وجائزة لأولئك المغرضين ..لأن أخطاءهم من الصعب أن لم يكن من المحال إصلاحها لأنها أخطاء مع البشر وليست مع الحجر أو الشجر ليست أخطاء وزارة في إيصال خدمة أو مقال في مبنى ..هي أخطاء تحتلف عن باقي الأخطاء لأنها بحق ديننا الذي هو عمال حياتنا وأساس وجودنا وسبب بقائنا على هذه الدنيا الفانية وسعينا فيها .
  والسؤال الأعظم الذي يحرقني ويؤرقني هو :
  إذا اتفقنا أن الخطأ شيء طبيعي حدوثه لمن يعمل وينتج إلا أنه من غير الطبيعي أن تتكرر الأخطاء ذاتها وبنفس الصورة والصيغة والمشهد .. فلماذا لا يستفاد من دروس حدوثها ؟ ولماذا تتكرر بشكل دائم ومستمر ؟!

الخميس، 9 فبراير، 2012

عمل الحسبة ..والخروج عن الغايات والأهداف 3


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
3-5
 16 ديسمبر 2005

  أشرنا في الحلقتين السابقتين إلى أن الأصل في دعوة ديننا الإسلامي الحنيف إلى إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "أن تكون بالرفق واللين، والتسامح في التعامل والرحمة في كل شيء، وأثبتنا بالأدلة القاطعة من القرآن والسنة النبوية الشريفة أن ذلك جوهر أخلاقه ونهى عن القسوة وذمها وذم من أتصف بها لأن أمة الإسلام مأمورة بالرحمة وموصوفة بها بل إن الرسالة الإسلامية نفسها قائمة على الرحمة وهي الرحمة ذاتها كما جاء في القرآن الكريم فقد خاطب الله رسوله بقوله (وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ) "الآية 107 سورة الأنبياء" فهو ليس رحمة لجنس العرب أو الشرقيين أو حتى المسلمين وحدهم بل هو رحمة للعالمين أجميع رسالة للجن والإنس على حد سواء (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) "الآية 56 سورة الذاريات" .
  كما أكدنا أن دعوة الإسلام رسالته للناس جميعاً وفي كافة أرجاء المعمورة وأن الرحمة هم الذين آمنو به وأتبعوه واهتدوا بهديه فهم يعيشون في جو هذه الرحمة إيماناً وتعبداً وفكراً وخلقاً وسلوكاً وتعاملاً فان ذلك يعظم من مسؤولية (أمة الإسلام) وهي (الأمة الوسط) التي حملها الله هذه الأمانة في البلاغ بالوسطية والاعتدال ونبذ الغلو والتطرف والتشدد واتباع الحكمة و الموعظة الحسنة في توعية الآخرين وإرشادهم إلى سماحة الدين القويم دين الإسلام الحنيف استجابة لقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) "الآية 143 سورة البقرة" .
  وفي هذه الحلقة أود التأكيد على مبدأ من مبادئ وقيم تعاليم الدين الإسلامي السمحاء الذي حثت على الدعوة إلى الرحمة والترغيب في التخلق بها ومعاملة المخلوقات جميعاً حتى (الحيوانات) على أساسها والأحاديث النبوية في ذلك كثيرة كما وردت في كتاب (الترغيب والتهذيب) "للإمام المنذري" في فضل الرحمة والترغيب فيها وشمولها للإنسان ولا سيما الضعفاء من الخلق وكذلك (للحيوانات) التي تؤكل أو تركب والتي لا تؤكل ولا تركب مثل الهر والكلب ولا أحسب دينا من الأديان يشتمل على هذه الوصايا المكررة المؤكدة ترغيباً في الرحمة والشفقة على خلق الله ومخلوقاته وترهيباً من الشدة والقسوة على عباد الله من الدين الإسلامي بل إن الدين كله كان رحمة للعالمين .
  قال تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) "الآية 38 سورة الأنعام" فله حق الرفق والرحمة كحق الإنسان "الراحمون يرحمهم الرحمن" رواه أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم، بل أن الرحمة بالحيوان قد تدخل صاحبها الجنة "بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطس فوجد بئراً فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل: بلغ هذه الكلب من العطش مثل ما بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله تعالى فغفر له قالوا : يا رسول الله وإن في البهائم أجر ؟ فقال : في كل ذات كبد رطبه آجر" .
  كما أن القسوة على الحيوان تدخل النار "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" أخرجه البخاري ومسلم، وتمضي الشريعة في تشريع الرحمة بالحيوان فتحرم المكث طويلاً على ظهرة وهو واقف فقد قال صلى الله عليه وسلم : لا تتخدوا ظهور دوابكم كراسي" ويحرم إجاعته وتعريضه للضعف والهزال فقد مر عليه السلام ببعير قد لصق ظهره ببطنه فقال : اتقوا الله في البهائم المعجمة فأركبوها صالحة وكلوها صالحة" كما تحرم إرهاقه بالعمل فوق ما يتحمل : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بستاناً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل فلما رأى النبي حن وذرفت عيناه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح دموعه ثم قال : من صاحب هذا الجمل ؟ فقال له عليه الصلاة و السلام : أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه" (أي تتعبه بكثرة استعماله) رواه أحمد وأبو داود .
  وأنا هنا بإيرادي وإشارتي (للحيوانات) ودعوات الإسلام للرحمة والرأفة بها أحاول لفت الانتباه ..أحاول التأكيد والتذكير والعودة إلى جوهر الإسلام وحقيقته ..فموقف الإسلام ودعوته للتعامل بالرفق مع هذه الحيوانات ..هذه المخلوقات التي لا عقل لها ولا كرامة ..إذا كان يأمرنا بوضوح وصراحة بالرفق والرحمة بها والشفقة عليها فكيف يتم تجاهل ذلك مع (الإنسان) المسلم الذي له عقل وصاحب الكرامة ؟ ومن قبل من ؟ ولمصلحة من يتم هذا التجاهل ؟ فالأسلوب والمشهد الحالي والصور التي لا تحمل لنا في وقائعها اليومية سوى المصادمات والمشاجرات والمضاربات وتبادل الاتهامات واستخدام العنف بالأيدي حتى وصلت الأمور بنا إلى المطاردة والملاحقة بالسيارات وصدم الآخرين بها واقتحام المنازل والبيوت والاستراحات وحتى إن قلت إطلاق النار فلن أكون مبالغاً على يد من يدعو إلى (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) إنني عندما استشهد بموقف الإسلام من (الحيوانات) أشعر بالأسى والحرقة والحزن فهذا الدين العظيم الذي سبق كافة الشرائع السماوية والوضعية في المطالبة بحقوق الحيوان والرأفة واللين والعناية به يمارس هؤلاء بأسمه أبشع الأساليب وأبعدها عما يأمرنا به ويسعى له ألا وهو العنف وعدم الرحمة والقوة والغلظة والتعسف والتشهير بالمسلمين ..إن تصرفات هؤلاء تدعوني للضحك والبكاء في ذات الوقت ! والتساؤل : أين يريد أن يذهب هؤلاء بأعظم دين دعا دعا لعدم الإساءة بـ(الظن) ..؟ واللين في الدعوة . أي دين نتحدث عنه وندعو الآخرين من المسلمين وغير المسلمين للإقبال عليه والدخول فيه ومشاهد التخويف والترهيب التي يقوم بها غالبية (الآمرين بالمعروف) في الأماكن والمرافق العامة، وأمام أعين كافة شرائح المجتمع ومن هو خارجه من غير المسلمين الذين يحبسون أنفاسهم وهم يرون نظرات الاتهام والتشكيك والتوجيش والمساءلة للزوج والزوجة كل على أنفراد من قبل هؤلاء ؟!
ألا يدرك هؤلاء أن عمل (الحسبة) والدعوة إلى الله ودينه من أعظم وأجل الأعمال وأنها مهمة الرسل وأتباعهم وهي بالنسبة لحياة الناس كالماء للحياة والشمس لإضاءة الكون لا غنى للناس عن ذلك لنجاتهم وإصلاح حالهم في الدنيا والآخرة ومن أجل هذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب بل أن الدعوة إلى الله تعالى أعظم الأعمال على الأرض وهي أحد أسباب خيرية هذه الأمة حيث قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) "الآية 110 سورة آل عمران"
  ألا يعي هؤلاء أنه لكي تؤدي هذه الشعيرة يجب أن تتسم الدعوة (بالحب) فالواجب على من يدعو أخاه أن يحبه أولاً وأن يشفق عليه وأن يظهر حرصه وحبه له ونبي الله نوح من الأنبياء الذين صرح بحبه وحرصه على قومه في قوله تعالى (بَلِّغُكُمْ رِسلَتِ رَبى وَ أَنصحُ لَكمْ وَ أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) "الآية 62 سورة الأعراف" .. والسؤال للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر : من كان قوم سيدنا نوح عليه السلام ؟ فحين يرى (المدعو) خوف (الداعية عليه) يترك هذا مردوداً نفسياً إيجابياً فيه فإن كان غيره يخاف عليه فكيف لا يخاف هو على نفسه وإن كان الغير يحب له الخير فكيف لا يحبه هو لنفسه ؟!
  فعلى سبيل المثال : إذا إرادت سيدة دعوة أختها للبس الحجاب والالتزام به عن قناعة مطلقة لا بد لها أولاً من فتح باب الصحبة الطيبة والمعاشرة الكريمة والسؤال عنها دائماً وتفقد أحوالها حتى يصل الأمر إلى درجة من المودة والمحبة والقبول بينهما وأن تثق في الداعية وأخلاقها وحسن نيتها بالحرص عليها وأن ترى فيها الصاحبة التي تتمناها فإن وصلت العلاقة إلى هذه المرحلة فقد وصلت إلى درجة (الحب) فتجد الأخت في نفسها قبولاً لكلام الداعية فإذا وجد الحب والتقدير بين الداعية والمدعو انتقل الداعية بالمدعو إلى حب الله سبحانه وتعالى وتذكير المدعو بنعمة وفضله وكرمه ومنه عليه وأن تأخذ حياة المدعو الشخصية نماذج لكرم الله عليها وأن تذكرها به حتى يوصل الرابط الذي انقطع بينها وبين الله .
  وأن تتبع تلك الخطوات بأمثلة : بأن تضرب الأخت الداعية نماذج لأخوات محجبات يمثلن قدوة للنساء والفتيات في التفوق الأخلاقي والعلمي والثقافي والمهاري فإن الإنسان بطبعه يميل لمن هو خير منه ومن هو متفوق عليه في كثير من مجالات الحياة وأن الحجاب لم يكن يوماً ما نعاً من التفوق في الحياة ولا من أن تتمتع الفتاة بحياتها وفق ما رسم لها القرآن الكريم وبذلك ستنجح بالرفق واللين وبكل سهولة في إقناعها بإرتداء الحجاب دون أن تبدأ بالتهجم عليها والإنكار الشديد بأنك سافرة ومتبرجة ولا تعرفين أمور دينك ولا يصلح الجلوس معك وغير ذلك من ألفاظ الهجوم المنفرة .
  أوردت هذا المثال عامداً متعمداً وفي هذا الجانب بالذات لأن ما يمارس ويحدث حالياً على يد غالبية من يمارس الدعوة هو العكس تماماً وللأسف الشديد مما جعل الإسلام كدين يدفع ثمن أخطاء وتخبط هؤلاء حتى كثرت الأحداث والقضايا والصور التي شوهت الوجه الحقيقي لديننا الإسلامي الحنيف وسماحته ورفقه ولينه ولما وجهنا به من أسلوب في الدعوة .
  ورغم الحاجة الماسة في هذا الزمان إلى شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكثرة الجهل وقلة العلم بالدين وغفلة الكثيرمن الناس عن أمور الدين وانتشار الشرور والفساد وكثرة دعاة الباطل وقلة دعاة الخير إلا أنه يجب أن تكون الدعوة بالمعروف من خلال الكلمة الطيبة وبالرفق واللين وانتهاج سماحة وتعاليم الدين الإسلامي في ذلك وإظهار اللطف في الدين الإسلامي الصالح لكل زمان ومكان فهو خاتم الرسالات ، لعم الفائدة ويتم إيصال صوت الحق ورفع كلمة (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في كافة أرجاء المعمورة بكل تقبل وترحية .
وللحديث بقية ..
  

الأربعاء، 8 فبراير، 2012

عمل الحسبة ..والخروج عن الغايات والأهداف 2


عمل الحسبة ..
والخروج عن الغايات والأهداف
 2-5
10 ديسمبر 2005

  أكدنا في (الحلقة الأولى) أن أمر الدعوة إلى المعروف والنهي عن المنكر يقوم على الرفق واللين،، والرقة، والرحمة ولا يقوم على العنف والشدة والغلظة والنقمة والتشهير امتثالاً لقوله تعالى عندما بعث سيدنا (موسى) وأخاه (هارون) إلى (فرعون) وهو طاغية ومتجبر في الكفر ولكن رغم ذلك أوصاهما الله بتليين القول له في الدعوة حيث قال أعز من قال (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى،  فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) "الأيتان 43 و 44 سورة طه" . فإذا كان هذا الأسلوب الذي يأمر به رب العالمين نبيه (موسى) عليه السلام مع أكبر طاغية لم تعرف البشرية على مر التاريخ مثل تطاوله وطغيانه وفساده في الأرض . من هنا ألا يحق لي أن أتساءل عن شكل وصورة الدعوة ومستوى الرفق واللين والرحمة إذا كانت من مسلم لأخيه المسلم الذي ارتكب معصية ؟ ألم يقل الطاغية (فرعون) أنا ربكم الأعلى ومع ذلك يأتي التوجيه الرباني باستخدام القول اللين ؟ّ! فمن باب أولى أن يكون ذلك ديدن كل الدعاة والذين نذروا أنفسهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
  من هنا نقول : إن الأصل في الدعوة أن تكون بـ(الحكمة) والتي تعني (الخطاب) الذي يقنع العقول بالحجة والبرهان، والدليل واتباع الموعظة الحسنة، وهي (الخطاب) الذي يؤثر أيضاً في القلوب رغباً ورهباً والجدال بالتي هي أحسن من خلال (الحوار) مع المخالفين بأحسن الطرق وأرق الأساليب التي تقربهم من  الله سبحانه وتعالى ولا تبعدهم عن دينه وتنفرهم وتكرههم ..إنها دعوة بعيده كل البعد عن إهانة المسلمين والمسلمات وإذلالهم وتهديدهم بالبطش بهم وإرعابهم بالتشهير بهم وفضح سترهم وتخويفهم بقوة السلطة التي بين يديهم .. تلك السبل التي سرعان ما يزول تأثيرها إن لم تكن نتائجها عكسية تماماً على الفرد المسلم والمسلمة .. لا بل قد تشوه الدين الإسلامي وحقيقة صورته التي نجح أعداء الأمة في توظيف أفعال هؤلاء و الاستشهاد بها في مشاريعهم التي تقوم على تشويه صورة الإسلام و المسلمين وكأن هؤلاء – وللأسف الشديد – يعملون بطريقة غير مباشرة لخدمة أعداء الأمة من المسلمين أصحاب التيارات الليبرالية والعلمانية وكذلك الآخرين من غير المسلمين كلهم وجدوا في اقتناص أساليب العنف والشدة والغلظة والإذلال والإرهاب ضالتهم المنشودة والمادة التي لا بد من رصدها وتظيفها لخلق حالة من الكره والحقد وتطفيش الناس من الدين والمتدينين ودفعهم إلى الإنحلال الخلقي والإنفلات نكاية ورداً على هؤلاء ..وهنا تتجلى عظمة الإسلام وحكمتة في التشديد على اللين والرفق والموعظة الحسنة في الدعوة لكي لا تستثمر الأساليب التي تخرج عن هذا الأسلوب للإساءة والتشوية لحقيقته وجوهره كدين أممي عالمي .
  لقد علمنا القرآن الكريم وهو يعرض لنا قصص الرسل عليهم السلام، بأنهم خاطبوا أقوامهم بالحسنى واجتهدوا في ذلك أيما اجتهاد أولئك الأقوام الذين كانوا يشركون بالله ويعبدون الأوثان من دونه (  قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)) "الآيات 2 – 4 سورة نوح" وكذلك في سورة نوح يقول الله تعالى (ذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ) "الآيات 105-109 سورة الشعراء" لقد جاءت كل صيغ الدعوة بصيغة العقل والمنطق الخطابي ورقيقة بأمر الله سبحانه وتعالى .
  وقيل في المأثور إن رجلاً دخل على (المأمون) يعظه فقال له : اتق الله أيها الظالم الفاجر فقال له المأمون – وكان على علم وفقه : يا هذا : إن الله بعث من هو خير منك إلى من هو شر مني وأمره بالرفق واللين بعث (موسى) و (هارون) وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني وقال (فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) "الآية 44 سورة طه" .
  ومن قراء سنة الرسول الكريم (القولية) ممثلة في أحاديثه عليه الصلاة والسلام أو قرأ سنته (العملية) ممثلة في سيرته صلى الله عليه وسلم الطاهرة يجد أسلوب الرفق واللين واللطف في الدعوة والمعاملة شديد الوضوح والعمق في أخلاقه عليه الصلاة والسلام وإنه يدعو دائماً إلى الرفق وينكر العنف حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها (إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) وذكر أن سبب ورود هذا الحديث كما رأته وروته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فهي شاهد عيان وكما رواه البخاري في صحيحه : قالت : أستأذن رهط من (اليهود) على النبي فقالوا (أي للنبي) : السام عليك فقلت : بل عليكم السام واللعنة فقال : يا عائشة : إن الله يحب الرفق في الأمر كله قلت : أو لم تسمع ما قالوا ؟ قال : قلت : وعليكم فهؤلاء اليهود من سوء أدبهم لووا ألسنتهم وحرفوا الكلم فبدل أن يقولوا : السلام عليك قالوا : السام أي الموت والهلاك ولكن الرسول الكريم من حسن أدبه وعظمة خلقه لم يرد أن يجعل من ذلك معركة بل رد بهذه الكلمة النبيلة قائلاً : (وعليكم) أين أن الموت مكتوب على كل البشر علينا وعليكم ثم علم عائشة هذا الأدب الرفيع أدب الرفق في التعامل حين قال لها (يا عائشة : إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله) .
  إن هؤلاء كانوا (يهوداً) ولكن رغم ذلك رفق بهم الرسول صلى الله عليه وسلم رغم خبثهم والدعاء عليه لعلهم يهتدون أو ينقادون للحق أو يستجيبون لداعي الإيمان فهكذا (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) يتحرى الرفق والعبارات المناسبة والألفاظ الطيبة عندما يكون مع يهودي أو نصراني في المجلس أو في الطريق أو في أي مكان يجب أن يدعوهم بالرفق والكلام الطيب حتى ولو جادلوه في شيء خفي عليهم أو كابروا فيه يجب أن يجادلهم بالتي هي أحسن استجابه لقوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) "الآية 125 سورة النحل" . مما سبق يتضح لجميع المسلمين حقيقة المنهج الإسلامي في الدعوة مع غير المسلمين من اليهود فما بالنا إن كانوا من إخواننا المسلمين !
  قال الرسول الكريم أيضاً ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه) وقال (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه) ..وفي حادثة أخرى تبين كرم النبي صلى الله عليه وسلم ورقه أسلوبه في الدعوة عندما قدم إعرابي إلى مسجد الرسول و (بال) في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه ويضربوه فقال النبي : (دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) وقال الرسول (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا) .
  وعن عائشة رضي الله عنها قالت : (ما خير رسول الله بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما مالم تكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه وما أنتقم رسول الله لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله تعالى) فتلك هي السيرة العطرة للرسول صلى الله عليه وسلم التي يجب أن يتبعها رجال الحسبة في كل زمان ومكان كما يجب أن يضعوها نصب أعينهم حتى يتم إيصال الدعوة بأفضل السبل وأنجح الطرق .. وهذا ما فقدناه اليوم .
  وبما أن المقام مقام تعليم ودعوة وإيضاح للحق فإنه يتطلب أن يكون بالتي أحسن لأن هذا أقرب إلى طريق الخير، حيث قال سفيان الثوري رحمه الله "ينبغي للآمر والناهي أن يكون رفيقاً فيما يأمر به رفيقاً فيما ينهى عنه عدلاً فيما يأمر به عدلاً فيما ينهى عنه، عالماً بما يأمر به عالماً بما ينهى عنه، فهكذا كان السلف – رحمهم الله – يتحرون (الرفق) مع العلم والحلم والبصيرة ولا يأمر ولا ينهى إلا عن علم لا عن جهل ويكون مع ذلك رفيقاً عاملاً بما يدعو إليه تاركاً ما ينهى عنه حتى يقتدى به الناس وأن يكون نموذجاً يحتذى به في التعامل والأخلاق الفاضلة .
للحديث بقية ..