الثلاثاء، 10 أبريل 2012


للذين لا يعرفون تاريخ بلادهم: ردّ علماء "الزيتونة" (تونس) على الرسالة الوهّابية- بداية القرن19{منقول}


للذين لا يعرفون تاريخ بلادهم: ردّ علماء "الزيتونة" (تونس) على الرسالة الوهّابية- بداية القرن19 ...
par Khémais Khayati, mardi 30 août 2011, 09:51
أرسل سعود بن عبد العزيز بن سعود (المتوفى سنة 1231هـ\1816م) رسالة إلى أهل المغرب العربي (سماها بعضهم بالرسالة الوهابية، وقيل إنها من كتابة الشيخ ابن عبد الوهاب نفسه) يبيّن فيها دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ويدعوهم فيها إلى الأخذ بمذهبه، وقد وردت الرسالة إلى القطر التونسي فبعث بها الباي أبو محمد حمودة باي (1759-1814) إلى علماء عصره، وطلب منهم أن يوضحوا للناس الحق، فكتب عليها العلامة المحقق أبو الفداء إسماعيل التّميمي (رحمه الله) كتابا مطولا سماه "المنح الإلهية في طمس الضلالة الوهابية"، وأجاب عنها العلامة المحقق قاضي الجماعة أبو حفص عمر (توفى رحمه الله في محرم سنة 1222هـ/أفريل 1807م) ابن المفتي العلامة المالكي أبو الفضل قاسم المحجوب برسالة بديعة.

وفيما يلي نص الرسالة ويتبعها الردّ عليها:


الرسالة
بسم الله الرحمن الرحيم، نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شر أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يُضلل الله فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يَضُر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا أما بعد:
فقد قال الله تعالى: {قلْ هذهِ سبيلي أدعوا إلى اللهِ على بصيرةٍ أنا ومنِ اتَّبَعني وسُبحانَ اللهِ وما أنا من المشركين}، وقال الله تعالى: {قُلْ إن كُنتم تُحِبُّونَ اللهَ فاتَّبِعوني يُحبِبْكُمُ اللهُ ويغفرْ لكم ذنوبكم}، وقال الله تعالى: {وما آتاكُم الرسولُ فخُذوهُ وما نهاكم عنهُ فانتهوا}، وقال الله تعالى: {اليومَ أكملتُ لكم دينكم وأتْمَمتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلامَ دينًا}، فأخبر سبحانه أنه أكمل الدين وأتمّه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بلزوم ما أتى به إلينا من ربنا وترك البدع والتفرق والاختلاف، وقال تعالى: {اتَّبعوا ما أُنزِلَ إليكم من ربِّكُم ولا تتبعوا من دونهِ أولياءَ قليلاً ما تذَكَّرون}، وقال تعالى: {وأنَّ هذا صِراطي مُستقيمًا فاتَّبِعوهُ ولا تتَّبعوا السُّبُلَ فتَفرَّقَ بكم عن سبيلهِ ذلكم وصَّاكُم به لعلكُم تتَّقون}.
والرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر بأن أمته آخذة ما أخذه الأمم قبلها شبرًا فشبرًا وذراعًا فذراعًا. وأخبر في الحديث أن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: "من هي يا رسول الله؟" قال: "من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي".
وإذا عرفت هذا، فمعلوم ما عمّت به البلوى من حوادث الأمور التي أعظمها الإشراك بالله، والتوجه إلى الموتى، وسؤالهم النصر على العِدى، وقضاء الحاجات وتفريج الكربات التي لا يقدر عليها إلا رب الأرض والسموات، وكذلك التقرب إليهم بالنذور، وذبح القربات، والاستعانة بهم في كشف الشدائد وجلب الفوائد، إلى غير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلى لله تعالى.
وصرْفُ شيء من أنواع العبادة لغير الله كصرف جميعها لأنه سبحانه أغنى الأغنياء عن الشركاء، ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، وأخبر أن المشركين يدعون الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم إلى الله زلفى، ويشفعوا عنده، وأخبر أنه لا يهدي من هو كاذب كفار.
وقال تعالى: {ويعبدونَ مِن دونِ اللهِ ما لا يضُرُّهُم ولا ينفعهم ويقولونَ هؤلاءِ شُفعاؤنا عندَ اللهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللهَ بما لا يعلمُ في السمواتِ ولا في الأرضِ سُبحانهُ وتعالى عمَّا يُشرِكون}، فأخبر أن من جعل بينه وبين الله وسائط لأجل الشفاعة فقد عبدهم وأشرك بهم، وذلك أن الشفاعة كلّها لله كما قال تعالى: {قُلْ للهِ الشفاعةُ جميعًا}، و: {من ذا الذي يشفعُ عندهُ إلا بإذنِهِ}، وقال تعالى: {يومئذٍ لا تنفعُ الشفاعةُ إلا مَنْ أذِنَ لهُ الرحمنُ ورضيَ لهُ قولاً}. وهو سبحانه لا يرضى إلا التوحيد كما قال تعالى: {ولا يشفعونَ إلا لِمَنِ ارتضى}. فالشفاعة حق، ولا تطلب في دار الدنيا إلا من الله كما قال تعالى: {وأنَّ المساجدَ للهِ فلا تدعوا معَ اللهِ أحدًا}، وقال تعالى: {ولا تدعُ من دونِ اللهِ ما لا ينفعُكَ ولا يَضُرُّكَ فإن فعلتَ فإنَّكَ إذًا مِنَ الظالمين}. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد الشفعاء وصاحب المقام المحمود، وآدم فمن دونه تحت لوائه لا يشفع إلا بإذن الله، ولا يشفع ابتداء بل يأتي فيخرُّ لله ساجدًا فيحمده بمحامد يعلّمه إياها ثم يقول له: "ارفع رأسك وسلْ تُعْطَ واشفع تشفَّع"، ثم يحدّ له حدًا فيُدخلهم الجنة، فكيف بغيره من الأنبياء والأولياء؟ وهذا الذي ذكرنا لا يخالف فيه أحد من علماء المسلمين، بل قد أجمع عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وغيرهم ممن سلك سبيلهم ودرج على مناهجهم. وما حدث من سؤال الأنبياء والأولياء من الشفاعة بعد موتهم، وتعظيم قبورهم ببناء القِباب عليها وإسراجها والصلاة عندها وجعل الصدقة والنذور لها فكل ذلك من حوادث الأمور التي أخبر بوقوعها النبي صلى الله عليه وسلم أمته وحذَّر منها كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تقوم الساعة حتى يلحق حيّ من أمتي بالمشركين وحتى تعبد أقوام من أمتي الأوثان".
وهو صلى الله عليه وسلم حمى جانب التوحيد أعظم حماية وسد كل طريق موصل إلى الشرك، فنهى أن يجصص القبر ويبنى عليه كما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وثبت فيه لفظ أنه بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره أن لا يدع قبرًا مشرفًا إلا سوّاه. ولذلك قال غير واحد من العلماء: "يجب هدم القباب المبنية على القبور" لأنها أسّست على معصية الرسول صلى الله عليه وسلم.
فهذا هو الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس، حتى آل الأمر إلى أن كفَّرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا، حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة، ممتثلين لقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكونَ فتنةٌ ويكونَ الدينُ كلّه للهِ}. فمن لم يُجب الدعوة بالحجة والبيان دعوناه بالسيف والسنان كما قال الله تعالى: {لقدْ أرسلنا رُسُلنا بالبيِّناتِ وأنزلنا معهم الكتابَ والميزانَ ليقومَ الناسُ بالقِسْطِ وأنزلنا الحديدَ فيهِ بأسٌ شديدٌ}.
وندعو إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج بيت الله الحرام، ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ولله عاقبة الأمور.
فهذا ما نعتقده وندين الله به، فمن عمل على ذلك فهو أخونا المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا.
ونعتقد أيضًا أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تجتمع على ضلالة، وأنه لا تزال طائفة من أمته على الحق منصورة لا يضره من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك. انتهى.

ردّ الشيخ عمر المحجوب

{ربنا افتَحْ بيننا وبينَ قومِنا بالحَقِّ وأنتَ خيرُ الفاتحين}، {ربنا لا تجعلنا فتنةً للقومِ الظالمين. ونجِّنا برحمتِكَ من القومِ الكافرين}، {يا أيُّها الذينَ آمنوا عليكُم أنفُسَكُم لا يضُرُّكُم من ضَلَّ إذا اهتَدَيتُم إلى الله مرجِعُكُم جميعًا فيُنَبِّئُكم بما كنتم تعملون}، {يا أيُّها الذينَ آمنوا لا تُحِلّوا شعائر اللهِ ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْيَ ولا القلائِدَ ولا آمِّينَ البيتَ الحرامَ يبتغونَ فضلاً مِن ربِّهم ورِضوانًا وإذا حَلَلْتُم فاصطادوا ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قومٍ أن صَدُّوكُمْ عنِ المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا وتعاونوا على البِرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعُدوان} .

أما بعد هذه الفاتحة التي طلعت في سماء المفاتحة، فإنك راسلتنا تزعمُ أنك القائم بنصرة الدين، وأنك تدعو على بصيرة لما دعا إليه سيد الأولين والآخرين، وتحثُّ على الاقتفاء والإتباع، وتنهى عن الفرقة والابتداع، وأشرت في كتابك إلى النهي عن الفرقة واختلاف العباد، فأصبحت كما قال الله تعالى: {ومِنَ الناسِ مَن يُعجبُكَ قولُهُ في الحياةِ الدنيا ويُشهِد الله على ما في قلبهِ وهو ألدُّ الخِصام. وإذا تولَّى سعى في الأرض ليُفسِدَ فيها ويُهلِكَ الحرْثَ والنسلَ واللهُ لا يحبُّ الفساد}.

وقد زعمت أن الناس قد ابتدعوا في الإسلام أمورًا، وأشركوا بالله من الأموات جمهورًا في توسلهم بمشاهد الأولياء عند الأزمات، وتشفعهم بهم في قضاء الحاجات، ونذر النذور إليهم والقربات، وغير ذلك من أنواع العبادات، وأن ذلك كله إشراك برب الأرضين والسموات، وكفر قد استحللتم به القتال وانتهاك الحرمات، ولعمر الله إنك قد ضللت وأضللت، وركبت مراكب الطغيان بما استحللت، وشنّعت وهوّلت، وعلى تكفير السلف والخلف عوَّلت، وها نحن نحاكمك إلى كتاب الله المحكم، وإلى السنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أما ما أقدمت عليه من قتال أهل الإسلام، وإخافة أهل البلد الحرام، والتسلط على المعتصمين بكلمتي الشهادة، وأدمتم إضرام الحرب بين المسلمين وإيقاده، فقد اشتريتم في ذلك حُطام الدنيا بالآخرة، ووقعتم بذلك في الكبائر المتكاثرة، وفرقتم كلمة المسلمين، وخلعتم من أعناقكم ربقة الطاعة والدين، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيَّنوا ولا تقُولوا لمن ألقى إليكم السلامَ لستَ مؤمنًا تَبْتَغونَ عَرَضَ الحياةِ الدُّنيا فعِندَ اللهِ مغانِمُ كثيرةٌ}، وقال عليه الصلاة والسلام: "أُمرتُ أنا أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله – أي ومحمد رسول الله - فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله".
وحيث كنت لكتاب الله معتمدًا، ولعماد سنته مستندًا، فكيف بعد هذا – ويحك - تستحلُّ دماء أقوام بهذه الكلمة ناطقون، وبرسالة النبي صلى الله عليه وسلم مصدقون، ولدعائم الإسلام يُقيمون، ولحوزة الإسلام يحمون، ولعبدة الأصنام يقاتلون، وعلى التوحيد يناضلون، وكيف قذفتم أنفسكم في مهواة الإلحاد، ووقعتم في شق العصا والسعي في الأرض بالفساد؟.
وأما ما تأوَّلته من تكفيرهم بزيارة الأولياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينهم وبين رب العالمين، وزعمت أن ذلك شنشنةُ الجاهلية الماضين، فنقول لكم في جوابه: معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد، وأن يأتي إليها معظمًا تعظيم العابد، وأن يخضع لها خضوع الجاهلية للأصنام، وأن يعبدها بسجود أو ركوع أو صيام، ولو وقع ذلك من جاهل لانتهض إليه ولاة الأمر والعظماء، وأنكره العارفون والعلماء، وأوضحوا للجاهل المنهج القويم، وهدوه الصراط المستقيم.

وأما ما جنحت إليه وعوَّلت في التفكير عليه، من التوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على العدى، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرضين والسموات، إلى آخر ما ذكرتم، موقدًا به نيران الفرقة والشتات، فقد أخطأت فيه خطأ مبينًا، وابتغيت فيه غير الإسلام دينًا، فإن التوسل بالمخلوق مشروع، ووارد في السنة القويمة ليس بمحظور ولا ممنوع، ومشارع الحديث الشريف بذلك مفعمة، وأدلته كثيرة محكمة، تضيق المهارق عن استقصائها، ويكلّ اليراع إذا كُلف بإحصائها، ويكفي منها توسل الصحابة والتابعين، في خلافة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، واستسقاؤهم عام الرمادة بالعباس، واستدفاعهم به الجدب والباس، وذلك أن الأرض أجدبت في زمن عمر رضي الله عنه، وكانت الريح تذرو ترابا كالرماد لشدة الجدب، فسميت عام الرمادة لذلك، فخرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس بن عبد المطلب يستسقي للناس، فأخذ بضبْعَيْهِ وأشخصه قائما بين يديه وقال: اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك، فإنك تقول وقولك الحق: {وأمَّا الجِدارُ فكانَ لغُلامَينِ يتيمَيْنِ في المدينةِ وكانَ تحتهُ كنزٌ لهما وكانَ أبوهُما صالحًا}، فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دنونا به إليك مستغفرين، ثم أقبل على الناس وقال: استغفروا ربكم إنه كان غفارًا، والعباس عيناه تنضحان يقول: اللهم أنت الراعي لا تُهمِلِ الضالةَ ولا تدعِ الكسير بدار مَضْيَعة، فقد ضرع الصغير ورقّ الكبير وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا، إنه لا يبأس من رَوْحك إلا القوم الكافرون، اللهم فأغثهم بغياثك فقد تقرَّب القومُ إليك بمكانتي من نبيك عليه السلام، فنشأت سحابة ثم تراكمت، وماسَتْ فيها ريح ثم هزّت، ودرَّت بغيثٍ واكفٍ، وعاد الناس يتمسحون بردائه ويقولون لههنيئًا لك ساقيَ الحرمين.

فأخبرني –يا أخ العرب- هل تكفّر بهذا التوسل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وتكفر معه سائر من حضر من الصحابة والتابعين، لكونهم جعلوا بينهم وبين الله واسطة من الناس، وتشفّعوا إليه بالعباس، وهل أشركوا بهذا الصنيع مع الله غيره، وما منهم إلا من أنهضته للدين القويم غيرة. كلا والله، وأقسم بالله وتالله، بل مكفّرهم هو الكافر، والحائد عن سبيلهم هو المنافق الفاجر، وهم أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "اقتدوا بمن بعدي: أبي بكر وعمر".

وإذا قدحت في هذا الجمع من الصحابة الذين منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهما فمن أين وصل لك هذا الدين، ومن رواه لك مبلغًا عن سيد المرسلين؟ ثم ما تصنع يا هذا في الحديث الآخر الذي رواه مسلم في صحيحه مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم في أويس، وأنه أخبر به عليه الصلاة والسلام وهو من أعلام النبوءة، وأمر عمر بطلب الاستغفار منه، وأنه طلب منه ذلك واستغفر له، وقد قال الله تعالى عن إخوة يوسف عليه السلام: {يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنَّا كُنَّا خاطِئين}.

فالزائر للأولياء والصالحين إما أن يدعو الله لحاجته، ويتوسل بسرّ ذلك الولي في إنجاح بُغيته، كفعل عمر في الاستسقاء، أو يستمدَّ من المزور الشفاعة له وإمداده بالدعاء كما في حديث أويس القرني، إذ الأولياء والعلماء كالشهداء أحياء في قبورهم، إنما انتقلوا من دار الفناء إلى دار البقاء.

فأيُّ حرج بعد هذا يا أيها القائم للدين، في زيارة الأولياء والصالحين؟ وأي منكر تقوم بتغييره، وتقتحم شقّ العصا وإضرام سعيره؟ ولعلك من المبتدعة الذين ينكرون أنواعًا كثيرة من الشفاعة، ولا يثبتونها إلا لأهل الطاعة، كما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء، وعدم نفع الدعاء، وكلها عقائد عن السنة زائغة، وعن الطريق المستقيم رائغة.
وقولكم إن ما قلتموه لا يخالف فيه أحد من المسلمين، افتراء ومين، وإلحاد في الدين، لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لغير الأنبياء الشفاعة، كالعلماء والصلحاء وآحاد المؤمنين، فمنهم من يشفع للقبيلة ومنه من يشفع للفئام من الناس كما ورد أيضًا أن أويسًا القرني يشفع في مثل ربيعة ومضر.

وأما المعتزلة فإنهم منعوا شفاعة غير النبي صلى الله عليه وسلم وأثبتوا الشفاعة العظمى من هول الموقف، والشفاعة للمؤمنين المطيعين أو التائبين في رفع الدرجات، ولم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر الذين لم يتوبوا في النجاة من النار بناء على مذهبهم الفاسد من التكفير بالذنوب، وأنه يجب عليها التعذيب.
وأما ما جنحت إليه من هدم ما بُنيَ على مشاهد الأولياء من القباب، من غير تفرقة بين العامر والخراب، فهي الداهية الدهياء والعظيمة العظمى من الظلم التي أضلك الله فيها على علم: {ومَنْ أظلمُ مِمَّن منَعَ مساجِدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُهُ وسعى في خرابِها أولئِكَ ما كانَ لهم أن يدخُلوها إلا خائِفينَ لهُمْ في الدنيا خِزْيٌ ولهُم في الآخرةِ عذابٌ عظيمٌ}. وكأنك سمعت في بعض المحاضر بعض الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على المقابر، فتلقَّفْته مجملاً من غير بيان، وأخذته جُزافًا من غير مكيال ولا ميزان، وجعلت ذلك وليجةً إلى ما تقلدته من العسف والطغيان، في هدم ما على قبور الأولياء والعلماء من البنيان. ولو فاوضت الأئمة، واستهديت هداة الأمة، الذين خاضوا من الشريعة لُججها، واقتحموا ثَبَجها، وعالجوا غِمارها، وركبوا تيارها، لأخبروك أن محلّ ذلك الزجر، ومطلع ذلك الفجر، في البناء في مقابر المسلمين المعدّة لدفن عامّتهم لا على التعيين، لِما فيه من التحجير على بقية المستحقين، ونبش عظام المسلمين.

وأما ما يبنيه المسلمون في أملاكهم المملوكة لهم، ليصلوا بمن يُدفن هناك حبلهم، فلا حرج يلحقهم، ولا حرمة ترهقهم. فكما لا تحجير عليهم في بناء أملاكهم دُورًا أو حوانيت أو مساجد، كذلك لا حرج عليهم في جعلها قبابًا أو مقامات أو مشاهد.

ثم ليتك إذ تلقفت ذلك منهم، ووعيته عنهم، أن تعيد عليهم السؤال، وتشرح لهم نازلة الحال، وهل يجوز بعد النزول والوقوع، هدم ما بُني على الوجه الممنوع، وهل هذا التخريب محظور أو مشروعفإذا أجابوك أنه من معارك الأنظار، ومحل اختلاف العلماء والنُّظار، وأن منهم من يقول بإبقائه على حاله، رعيا للحائز في إتلاف ماله، وأن له شبهة في الجملة تحميه، وفي ذلك البناء منفعة للزائر تقيه. ومنهم من شدد النكير، وأبى إلا الهدم والتغيير.

فإذا تحقق عندك هذا، فكيف تقدم هذا الإقدام وتخوض مزالق الأقدام، وتطلق العنان في هدم كل مقام، من غير مراعاة في الدين ولا ذمام. فإذا انفتحت لك هذه الأبواب، نظرت بنظر آخر ليس فيه ارتياب، وهو أن المنكر الذي اقتضى نظرُك تغييره، ليس متفقًا عليه عند أهل البصيرة، وأنه من مدارك الاجتهاد، وقد سقط عنك القيام فيه والانتقاد.


ثم بعد الوصول إلى هذا المقام، أعد نظرًا في إيقاد نار الحرب بين أهل الإسلام، واستباحة المسجد الحرام، وإخافة أهل الحرمين الشريفين، والاستهوان لإصابة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فسيتضح لك أنك غيَّرت المنكر في زعمك، وبحسب اعتقادك وفهمك، وأتيت بجمل كثيرة من المناكر، وطائفة عديدة من الكبائر، آذيت بها نفسك والمسلمين، وابتغيت بها غير سبيل المؤمنين، وتعرضت بها لإذاية الأولياء والصالحين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري والإمام، قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله عز وجل قال من عادى لي وليًّا فقد آذنني بحرب"، فكفى بالتعرض لحرب الله خطرًا، وقذفًا في العطب وضررًا.


وأما إنكار زيارة القبور، فأي حرج فيها أو محظور، وأي ذميمة تطرقها أو تعروها، مع ثبوت حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها"، فإن هذا الحديث ناسخ لما ورد من النهي عن زيارتها، وماحٍ لما في أول الإسلام من حماية الأمة من أسباب ضلالتها، لقرب عهدها بجاهليتها، وعبادة أصنامها وآلهتهاوكيف تمنع من زيارتها والنبي صلى الله عليه وسلم قد شرعها، وسامَ رياضها وأربعها، فقد ثبت في حديث عائشة أم المؤمنين أنه صلى الله عليه وسلم زار بقيع الغرقد واستغفر فيه لموتى المسلمين، وثبت أيضًا أنه زار قبر أمه آمنة بنت وهب واستغفر لها. وأخذ بذلك الصحابة والتابعون، ودرج عليه العلماء والسلف الماضون، فقد ثبت في الأحاديث المروية عن أئمة الهدى ونجوم الاقتداء، أن فاطمة سيدة نساء العالمين زارت عمها سيد الشهداء، وذهبت من المدينة إلى جبل أحد، ولم ينكر من الصحابة أحد، وهم إذ ذاك بالمدينة متآمرون، وعلى إقامة الدين متناصرون. أفنجعل هؤلاء أيضًا مبتدعين، وأنهم سكتوا عن الابتداع في الدين؟ كلا والله، بل يجب علينا إتباعهم، ومن أدلة الشريعة إجماعهم.

وقد مضت على ذلك العلماء في جميع الأقطار، وانتدبوا بأنفسهم للاستمداد من قبور الصلحاء وقضاء الأوطار، ودونوا ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم، وسطروه في دواوينهم وتعليقاتهم، وقسموا الزيارة إلى أقسام، وأوضحوا ما تلخص لديهم بالأدلة الشرعية من الأحكام. وذلك أن الزيارة إن كانت للاتعاظ والاعتبار، فلا فرق في جوازها بين قبور المسلمين والكفار، وإن كانت للترحم والاستغفار من الزائر، فلا منع فيها إلا في حق الكافر، فإن الشريعة أخبرت بعدم غفران كفره وعليه حملوا قوله تعالى: {ولا تُصَلِّ على أحدٍ منهُم ماتَ أبدًا ولا تَقُمْ على قبرهِ}. وإن كانت الزيارة لاستمداد الزائر من المزور، وتوخي المكان الذي فضله مشهور، والدعاء عند قبره لأمر من الأمور، فلا حرج فيها ولا محظور، بل هو مندوب إليه، ومرغّب فيه، وإنه مما تشد المطي إليه، ومن خالف في هذا الحكم سبيل جمهورهم، واتبع من الشبهات مخالف منشورهم، فقد شدد العلماء في النكير عليه، وسددوا سهام النقد إليه، وأشرعوا نحوه رماح التضليل، وأرهفوا له سيوف التجهيل، واتفقت كلمتهم على بدعته في الاعتقاد، وثنوا إليه عنان الانتقاد، ومن يُضلل الله فما له من هاد.

وأما النهي الوارد في شد المطي لغير المساجد الثلاثة فإنما هو بالنسبة لنذر الصلاة فيها، فإنه لا يختلف ثواب الصلاة لديها.

وأما المزارات فتختلف في التصريف مقاماتها، وتتفاوت في ذلك كراماتها، وذلك لسرّ في الاستمداد والإمداد لا تطلع عليه، وضُرب بسور له باب بينك وبين الوصول إليه، وقد أوضح ذلك حجة الإسلام، ومن شهد له بالصديقية العلماء والأولياء العظام.
وأما إدماجكم لقبور الأنبياء في أثناء النكير، والتضليل لزائرها والتكفير، فهو الذي أحفظ عليكم الصدور، وأترع حياض الكراهة والنفور، وسدد إليكم سهام الاعتراض، وأوقد شُواظ البغض والارتماض.
فقل لي – يا أخا العرب- هل قمت لنصرة الدين أم لنقض عراه، وهل أنت مصدق بالوحي لنبيه أو قائل: إن هو إلا إفك افتراه؟ وما تصنع بعد اللتيَّا والتي، في حديث "من زار قبري وجبت له شفاعتي"؟ وأخبرني هل تضلل سليمان بن داود في بنائه على قبر الخليل ومن معه من أنبياء بني إسرائيل؟ وما تقول –ويحك- في الحديث الذي رواه جهابذة الرواة، وصححه المحدثون الثقات، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: "لما أسري بي إلى بيت المقدس، مرّ بي جبريل على قبر إبراهيم عليهما السلام، فقال لي انزل فصلّ هنا ركعتين، فإن ههنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام". وعنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر أنه قال: "من لم تُمكنْه زيارتي فليزُر قبر إبراهيم الخليل عليه السلام". فأين تذهب بعد هذا يا هذا؟ وهل تجد لنفسك مدخلاً أو معاذًا؟ وهل أبقيت بعد تضليل جميع الأنبياء ملاذًا؟ {ربنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذْ هَدَيْتنا وهبْ لنا من لدُنكَ رحمةً إنكَ أنتَ الوهاب}.

وأما تلميحكم للأحاديث التي تتلقفونها، ولا تحسنونها ولا تعرفونها، فهِمْتُم بسبب ذلك في أودية الضلالة، ولم تشيموا بها إلا بُرُوق الجهالة، وسلكتم شِعابها من غير خبير، ونحوتم أبوابها بلا تدبر ولا تدبير، فإن حديث: "لا تتخذوا قبري مسجدًا"، محمله عند البخاري على جعله للصلاة متعبدًا، حفظًا للتوحيد، وحماية للجاهل من العبيد، لأن المصلي للقبلة يصير كأنه مصلٍّ إليه، فحمى صلى الله عليه وسلم حمى ذلك من الوقوع فيه. وأما قصده للزيارة والاستشفاع والاستمداد ببركته والانتفاع، وقصد المسلمين إياه من سائر البقاع، فما يسعنا إلا الإتباع.
وكذلك ما لوَّحْتَ به إلى شدّ الرحال، فإنك أخطأت في الاستشهاد به في نازلة الحال، وذلك أن الحصر في المساجد، دون سائر المشاهد.
وكذلك ما لمحت إليه من حديث تعظيم القبر بإسراجه، فإنك أخطأت فيه واضح منهاجه، مع بهرجة نقده في رواجه، ومحمله – على فرض صحته- على فعل ذلك للتعظيم المجرد عن الانتفاع للزائرين، أما إذا كان القصد به انتفاع اللائذين والمقيمين، فهو جائز بلا مين.

وأما ما تدَّعونه من ذبح الذبائح والنذور، وتبالغون في شأنها التغيير والتنكير، وتصف ألسنتكم الكذب، وتثيرون في شأنها الهرج والشغب، فكون الذبائح المذكورة مما أهِلَّ به لغير الله مكابرةٌ للعيان، وقذفٌ بالإفك والبهتان، فإنا بلونا أحوال أولئك الناذرين، فلم نر أحدًا منهم يسمي عند ذبحها اسم ولي من الصالحين، ولا يلطخ الضرائح بدم تلك الذبائح، ولا يأتون بفعل من الأفعال، الحاكمة على تحريم الذبيحة والإهلال.

وأما نذرها لتلكم المزارات، فليس على أنها من باب الديانات، ولا أن من لم يفعل ذلك يكون ناقص الدين في العادات، وإنما يقصدون بذلك مقاصد الرُّقى والنشر، والانتفاع في الدنيا بسر في التصدق بها استتر، ولم يدر منها إلا ما اشتهر.
والواجب علينا وعليكم الرجوع في حكم نذرها إلى العلماء الأعلام، المتضلعين من دراية الأحكام، المقيمين لقسطاسها، المسرجين لنبراسها، الناقبين على أساسها، ومن لديهم محك عسجدها ونحاسها.
فإن كنتم للحق تقيمون، ومن مخالفة الشريعة تتجرمون {فسألوا أهلَ الذِّكرِ إن كنتم لا تعلمون}، {ولا تَقْعُدوا بكُلِّ صِراطٍ توعدون}، فإنهم يهدونكم السبيل، ويفتونكم في هذه المسألة بالتفصيل، وأن هذا الناذر إن نذر تلك الذبائح للولي المعيّن بلفظ الهدي والبدنة، فقد جاء بالسيئة مكان الحسنة، ولكن ما رأينا من خلعَ في هذا المحظور رسَنَه، ولا من اهتصَرَ فَتَنه، وإن نذر تلك الذبائح لمحل الزيارة، بغير هاته العبارة، وكان من الذبائح التي تقبل أن تكون هديًا، فهل يلزمه أن يسعى به لذلك المزار سعيًا، أو لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه رعيًا، خلاف في مذهب مالك شهير، قرره النحارير. وإن كان ذلك النذر مما لا يصح إهداؤه، فالقاصد للفقراء الملازمين بمحل الشيخ يلزمه بعثه وإنهاؤه، والقاصد للولي في نذره وتشرعه، لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه.
وإذا اتضح لديك الحال، فأي داعية للحرب والقتال؟ وهل يتميز المشروع من هذه الصور بالمحظور، إلا بالنيات التي لا يعلمها إلا العالم بما في الصدور؟ والله إنما كلفنا بالظاهر، ووكل إليه أمر السرائر. ولم يقيّض بالخواطر نقيبًا، ولا جعل عليها مهيمنًا من الولاة ولا رقيبًا.

وإذا التزمت سدَّ الذريعة بالمنع من المشروع، خوفًا من الوقوع في الممنوع، فالتزم هذا الالتزام، في سائر العبادات الواقعة في الإسلام، التي لا تفرقة فيها بين المسلم والكافر، إلا بما انطوت عليه الضمائر. فإن المصلي في المسجد يحتمل أن يقصد عبادة الحجارة، بمثل ما احتمل صاحب الذبائح والزيارة، والصائم يحتمل أن يقصد بصومه تصحيح المزاج، أو المداواة والعلاج، والمزكي يحتمل أن يقصد مقصدًا دنيويًا، أو معبودًا جاهليًا، والمُحرِم بحج أو عمرة، يحتمل أن ينوي ما يوجب كفره.
وإذا وصلت إلى هذا الالتزام، نقضت سائر دعائم الإسلام، والتبس أهل الكفر بأهل الإيمان، وأفضى الحال إلى هدم جميع الأركان، واستبيحت دماء جميع المسلمين، وهدمت صلواتهم ومساجدهم وصوامعهم أجمعين.
فانظر أيها الإنسان، ما هذا الهذيان، وكيف لعب بك الشيطان، وماذا أوقعك فيه من الخسران. فارجع عن هذا الضلال المبين، وقل ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَّ من الخاسرين.

وأما ما جلبتم من الأحاديث الواردة في تغيير النبي صلى الله عليه وسلم للقبور، وأنه أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بطمسها وتسويتها، فقد أخطأتم الطريق في فهمها، ولم يأتِكم نبأ علمها، ولو سألتم عن ذلك ذويه، لأخبروكم بأن محمله طمس ما كانت الجاهلية عليه، وكانت عادتهم إذا مات عظيم من عظمائهم، بنوا على قبره بناء كأطمٍ من آطامهم، مباهاة وفخرًا، وتعاظمًا وكبرًا، فبعث صلى الله عليه وسلم من يمحو من الجاهلية آثارها، ويطمس مباهاتها وفخارها، وإلا فلو كان كما ذكرتم، لكان حكم التسنيم كحكم ما أنكرتم.
وإذا استبان لكم واتضح لديكم، انقلبت الحجة التي أتيتم بها عليكم، وكيف تجعلون تلك الأحاديث حجة قاضية على وجوب كون القبور ضاحية، والفرق ظاهر بين البناء على القبور، وحفر القبور تحت البناء، فالأول من فعل الجاهلية الوارد فيه ما ورد، والثاني هو الذي يعوزكم فيه المستند، ولا يوافقكم على تعميم النهي أحد.
وأما ما نزعتم إليه من التهديد، وقرعتم فيه بآيات الحديد، وذكرتم "أن من لم يُجِب بالحجة والبيان، دعوناه بالسيف والسنان"، فاعلم يا هذا أننا لسنا ممن يعبد الله على حرف، ولا ممن يفرُّ عن نصرة دينه من الزحف، ولا ممن يظن بربه الظنون، أو يتزحزح عن الوثوق بقوله تعالى: {فإذا جاءَ أجلُهُم لا يَسْتأخِرونَ ساعةً ولا يستقدِمون}، ولا ممن يميل عن الاعتصام بالله سرًا وعلنًا، أو يشك في قوله تعالى: {قُل لن يُصيبَنا إلا ما كتبَ اللهُ لنا}، وما بنا من وهن ولا فشل، ولا ضعف في النكاية ولا كسل، ننتصر للدين ونحمي حماه، وما النصر إلا من عند الله.

وأما ما جال في نفوسكم، ودار في رؤوسكم، وامتدت إليه يد الطمع، وسوَّلته الأماني والخدع، من أنكم من الفئة الذين هم ومن حالفهم، لا يضرهم من خالفهم، وأنكم من الطائفة الظاهرين على الحق، وأن هذه المناقب تساق إليكم وتَحقّ، فكلا وحاشا أن يكون لكم في هذه المناقب من نصيب، أو يصير لكم إرثها بفرض أو تعصيب، فإن هذا الحديث وإن كان واردًا صحيحًا، إلا أنكم لم تُوفّوا طريقه تنقيحًا، فإن في بعض رواياته "وهم بالمغرب" وهي تحجبكم عن هذه المناقب، وتبعدكم عنها بعد المشارق من المغارب.
فانفض يديك مما ليس إليك، ولا تمدَّنَّ عينيك إلى ما حرِّمت عليك، فإنكاح الثريا من سهيل، أمكن من هذا المستحيل.
أما أهل هذه الأصقاع والذين بأيديهم مقاليد هذه البقاع، فهم أجدر أن يكونوا من إخواننا، وتمتدُّ أيديهم إلى خِواننا، لصحة عقائدهم السنية، وإتباعهم سبيل الشريعة المحمدية، ونبذهم للابتداع في الدين، وانقيادهم للإجماع وسبيل المؤمنين

الاثنين، 9 أبريل 2012

القرار بيدك يا صاحبي


  أحبتي وأصدقائي وأصحابي ممن أعرف وممن لا أعرف إن الكلام والسفاهة والهذر الذي يقال أو يؤلف ليس جديداً علي وقد سبق أن أوذي أصحابي وأحبابي قبل سنوات بأشياء أترفع عن ذكرها والحكام الفاسدين لعدم قدرتهم على مواجهتي في ذلك الحين، تسلطوا عليهم وكنت في ذلك الحين كتبت هذه القصيدة إعتذاراً لأعزهم وأقربهم لنفسي ووجهتها لجميع أصحابي وأحبائي، لأنهم تأذوا كثيراً ممن تسلط عليهم بدون أي ذنب سوى معرفته ومحبته لي لذا أهديها لكم الآن يا من تتألموا أو تقراءوا أكاذيبهم وهذرهم وسفاهتهم أعتذر فيها لكم عما سببته محبتكم وصداقتكم لي، والقرار بيدكم .



القرار بيدك يا صاحبي
يا صاحبي وشلون أنا لك صرت أسير

ومـدري لا عـــــــذاري  تقبلها أو تردها
لو  أدري  فـي  المحـبة  للقـــــدر  تأثيـر

وانجـــــــــــاس  خلق الله  علي  تعــــدها
والله  لافـــــــرض  قـــيد  عنـهم   واستخير

وأشـيل  عنكـــــــــم  صعبها  وأشــــــــدها
أحبكم  مــير  البلاء  وضعـــــــــي  خطير

خايف عليكـــــــــم جذرها ومن  مــــــدها
أنذالــها يا صـاحبي  صـــــــــــاروا   كــــــثيـر

يا  الله ترد  أحقـــــــــادهم  وتصـــــــــدها
حتى الصداقة حولها  أمـــــــــــر  عســــــــــير

آذووا  مشـــــــــــاعر نفس ماهم  نـــــدها
عاشوا  على  الإذلال وعلـــــــــــــــوم  تصير

باعوا  الأمــــــــــانة  يوم خانوا عهــدها
والشيمة ضاعت  يوم  سادبها  الحــــقير

والديرة  كيف  العين  فيها  الدهــــــــا
داري وأنا دون الكـــــــــــــــرامة  كيف أصـير

مـــــادام ذا  يقطـــع  وهــذا  شــــــــــــــدها
هم  ضنوا  إني  بانكســـــــــــــر ولا با أغير

وإرادتي  يدرون  ما هــم  قـــــــــــــــــدها
صغــــــــــــارها ما  يكسرون  الا  الصــغيـر

اللي همــومه  بس  جبها  ودهـــــــــــــا
ولا الكــبير ولو  شكــــــــــى  يبقـى  كــــــــبير

تبقى الجبال جبال صعب  هـدهــــــــا
يا صــاحبي تدري وانا اللي دوم اشــــــــــير

وادري بهـم واللي مضى ما سـدهـــــــا
فكـــر  وقــــــــــــرر  وانت  بيدك  المصــــــير

النفس عن  ما تشتهي لا تحــــــــــدها
أمـــا معـــــــي  المشوار  تمشي  للأخـــــــــير

والا ترى  معذور  نفسك  بدهــــــــــــــا
لا نيب نــــاس العشــــــــــرة وطــــــــــــول المسير

ناس نست وفــــــــــاها لا بوجدهــــــــــــــــا
كثرت خفـافيش الظــــــــــــــــــــلام اللي تطـــــــير

وعــلاجها شمس تجي في وعدهــــــــا
الشــــــر زايل واللي يبقــــى  كـــــل  خــــــــــــــــير

وكـــــــم تشتكــــي نفس وهـــــو ما ودها

الخميس  23/11/1424هـ
تركي بن بندر بن محمد بن عبدالرحمن آل سعود
حفيد الجدين 

السعودية..وأسباب عودة الخوارج «2-3»



في الحلقة السابقة أشرت إلى أن الخطاب الديني السعودي المسيس أشعل الشارع على مرأى ومسمع الجميع وذلك بوجود مؤامرة عالمية كبرى تستهدف المنطقة برمتها تقودها أمريكا من خلال توريط (صدام حسين) ونظامه البعثي في غزو (الكويت) وذلك من أجل الوصول إلى منابع النفط، والبقاء في الأراضي السعودية بشكل دائم للهيمنة على المنطقة بكاملها ، فقد كانت أبرز طروحات هذا التيار الذي أستخدم المنابر والكتب والمحاضرات الدينية المباشرة والمسجلة على أشرطة الكاسيت للتسويق لقناعاته المطلقة بالمؤامرة مستشهداً بأن التدريب للقوات الأمريكية في صحراء (لاس فيغاس ـ نيفادا) في عام (1982م) كان الهدف منه استعداداً لعمليات عسكرية حقيقية بذات مواصفات بيئة صحراء (لاس فيغاس)،وان رد السفيرة الأمريكية في العراق (أبريل غلاسبي) بأن الإدارة الأمريكية لن تتدخل في الخلافات العربية - العربية وغير ذلك من قصص وإستشهادات كانت تروج في الشارع السعودي كان لها أثر كبير في ذهنية الجماهير السعودية أكثر بكثير من أي خطاب رسمي حكومي،كما أن الإعلام السعودي الرسمي لم يكن حيوياً في التحول من جموده والتفاعل بشكل أفضل بمخاطبة الرأي العام بالتفسير والشرح برسائل إعلامية أكثر احترام لذهنية المواطنين المتابعين بنهم وشغف للإذاعات الدولية الناطقة باللغة العربية لينقسم الرأي العام السعودي تجاه سلامة وصحة قرار الحكومة باستدعاء قوات التحالف الدولي على أراضيها خصوصاً بين شريحة الشباب المتحمسين والمتعطشين للإشباع الفكري والتوجيه والرعاية وضبط ما في دواخلهم من صراعات في أين يكمن الحق ومع من؟ نعم من هنا بدأ التحول الفكري في موقف العديد من جماعات الشباب المتدين وطالبي العلم ،وكذلك المجاهدين السعوديين العائدين من أفغانستان في رؤيتهم وموقفهم من الدولة وقرارها، كما أطلق لأول مرة بعض المشايخ الذين لهم أتباع البعيدين عن محيط هيئة كبار العلماء فتاوى ومواقف مفسرة ضد الدولة وقرارها معتبرين أنفسهم غير ملزمين بإجتهادات الآخرين من العلماء الذين وصفوهم بأنهم علماء السلاطين. كل ذلك كان يحدث على الساحة الاجتماعية والفكرية الدينية السعودية في غياب أي دور رسمي لضبط إيقاع هذه التحولات الجسيمة والحد من توظيف الآخرين للظروف واستغلالهم لها لتحقيق أهداف ومشاريع خاصة بهم .

كما جاءت إذاعتا (مكة المكرمة) و(المدينة المنورة) التي تبث من (بغداد) كنوع من الحرب النفسية تحرض الشعب السعودي ضد الحكومة وتتحدث عن احتلال أمريكي للسعودية ،وكذلك إعلام بعض الدول المحيطة بالمملكة أو ما يسمى بدول الضد ـ حسب التصنيف الكويتي - لتحرض الشارع السعودي وتحثه من زاوية عقيدته الدينية وتمسكه بها والحفاظ عليها ، فمثلاً شاعت روايات لا أساس لها من الصحة: أن المجندات الأمريكيات يحرسن الحرم المكي والمدني وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم ..وان هؤلاء الجنود يعيثون بالأرض المقدسة فساداً..وأن هناك احتفالات وصلوات دينية بمناسبة رأس السنة الميلادية وشرب للمسكرات ورقص على الأراضي السعودية .. وغيرها من القصص والروايات التي هيجت المشاعر وأججتها لدى الشباب الملتزم والمتدين من أبناء المجتمع السعودي بطبيعة الحال.
كما جاءت ضبابية موقف هيئة كبار العلماء، وانقسام بعض العلماء السعوديين حيال الموافقة وجواز الاستعانة بالآخر من غير المسلمين لقتال الجار المسلم أزمة حادة داخلية لدى الشارع السعودي.

كما وحد التيار الديني المتحفز بطبيعة الظروف قيام مجموعة من النساء المتعلمات والدارسات في الخارج من السعوديات بقيادة السيارة في مدينة (الرياض) فالتيار الديني على كافة مستوياته لم يقبل ما حدث وشعر بخوف وتهديد مباشر لوجوده ومكتسباته وان هناك انقلاباً جذرياً عليه يتطلب الوقوف بحزم قوي واستعداد للمتغير المجهول القادم.

إن الكاتب من باب الموضوعية والدقة لسلامة القراءة والمراجعة يتحفظ على طرح العديد من الأساتذة الباحثين والمراقبين المهتمين السعوديين والقادة الأمنيين القائمين على ملف الإرهاب وتنظيم القاعدة السعودي حيال تهميش انعكاسات غزو العراق للكويت ، فالتحول الجذري والصدام في المواقف بين المجاهدين العائدين من أفغانستان والحكومة السعودية ومن ثم إطلاق شرارة العمليات وشرعنتها (من حيث المكان ، الزمان ، النوعية) كان منذ تلك الأيام فالكل يعرف تماماً أن غالبية المجاهدين السعوديين وعلى رأسهم أبن لادن - الذي عاد من الجهاد وأقام في مدينة جدة - ممتنين للمملكة لوقوفها المشرف في دعم دولة إسلامية (أفغانستان) لمحاربة وطرد الجيش الأحمر السوفيتي الملحد المحتل. ثم تابع هؤلاء جميعهم المحاولات الجادة السعودية للتوفيق بين الأطراف الأفغانية المتناحرة والتي دخلت في حرب طاحنة مع بعضها البعض ، كما شاهد الجميع ، المؤتمرات التي عقدت على الأراضي السعودية (مؤتمر مكة) للجمع بين الفرقاء الأفغان تحت إشراف ورعاية المكتب الخاص لرئيس الاستخبارات السابق الأمير تركي الفيصل الذي كانت وزارته تتولى هذا الملف ،والسفير السعودي في أفغانستان الفريق المتقاعد من ذات المؤسسة الأمنية الفريق الركن/ محمد بن عيد العتيبي ، ولكن كافة جهود (الفيصل) والسفير(ابن عيد) لم تفلح لأسباب لا يتسع المجال لذكرها هنا وان كان أبرزها اتساع هوة الخلاف بين القادة الأفغان والذين كانوا أدوات في أيدي بعض الحكومات والدول خاصة المحيطة بأفغانستان .

لذا ومن باب الموضوعية والدقة علينا الاعتراف أن شرارة التحول في العلاقة بين جماعات العائدين من الجهاد وعلى رأسهم (ابن لادن) والحكومة السعودية كان بأسباب (غزو العراق للكويت) وهنا يود الباحث التأكيد على بداية عودة (الخوارج) إلى العمل المسلح ضد المملكة العربية السعودية تحت شعار (اخرجوا المشركين من جزيرة العرب) فكانت التفجيرات الأولى لهم في مبنى يقطنه مدربين أمريكيين يعملون متعاقدين مع الحرس الوطني بحي(العليا) بمدينة (الرياض) وهذا قبل نشوء حتى تنظيم القاعدة .

كما أنني لا أتفق مع المسمى الأمريكي والغربي بشكل عام على إطلاق مصطلح (إرهابيين) عليهم بل مصطلح (الخوارج) هو الوصف الأدق الأقرب والأنسب لهم لأن طبيعة منطلقاتهم وتوجهاتهم الفكرية وعقيدتهم وقناعاتهم التي تقول بالخروج على ولي الأمر وإجماع المسلمين مشابهة تماماً لما حدث عام (657م) عندما خرجت مجموعة من المسلمين على (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه ومن هو (علي) ؟ انه ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحد المبشرين، وأول فدائي بالإسلام، وقد كفروه وخرجوا عليه ،وقتلوه فما بالنا نستغرب خرجوهم اليوم على ولاة الأمر وجماعة السلف الصالح مع إطلاقهم لمشاريع تكفيرية على كل من يقف في طريقهم وتوجههم.

لقد كان الخوارج قومـًا ذوي عبادة ربما فاقت في بعض صورها عبادة الصحابة ،ولكنهم مع ذلك ضلُّوا سبيل الهدى لما ظنوا أنهم أعلم من الصحابة ، وقد اتفقت كلمة الأمة على ضلالهم ووجوب قتالهم.

وبدعة الخوارج هي المثل الواقعي الحيّ على أن الإخلاص وحده لا يكفي في صحة العمل ، وصلاح المنهج ؛ بل يلزم مع الإخلاص متابعة هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وعدم الخروج على فهم السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين .

تعتبر بدعة الخوارج أول بدعة حدثت في الإسلام ، قال الإمام ابن تيمية : كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع «الخوارج المارقون» وقد صح الحديث فيهم عن النبي صلى الله عليه وسلم من عشرة أوجه أخرجها مسلم في صحيحه ، وخرج البخاري منها غير وجه، وقد قاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه ولم يختلفوا في قتالهم.

والخوارج جمع خارج، وهو الذي خلع طاعة الإمام الحق، وأعلن عصيانه، وألب عليه ؛ بعد أن يكون له تأويل ، وعلماء الشريعة يسمونهم بغاة ، ومن مسمياتهم أيضـًا :الحرورية : لنزولهم في مكان يسمى حروراء بعد انفصالهم عن جيش سيدنا على رضي الله عنه .

النواصب : لمناصبتهم العداء لسيدنا عليٍّ رضي الله عنه ومن معه.

الحكمية : لقولهم بعد التحكيم لا حكم إلا لله .

المارقة: لمروقهم من الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّميَّة .

أما جذور بدعة الخوارج وأول الخوارج وأصلهم وأقبحهم حالاً هو (ذو الخويصرة التميمي) الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم : اعدل ، أو قال : اتق الله يا محمد . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فمن يطع الله إن عصيته ؟ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنونني ؟ ثم أخبر أنه يخرج من ضئضئه (ذريته) الخوارج كما في صحيح الإمام مسلم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم عندما هم عمر بن الخطاب قتل أحدهم: [دَعْهُ فإن لهُ أصحَابـًا يَحْقِرُ أحدُكُم صلاتـهُ مع صلاتهم وصِيامَهُ مع صيامهم ، يقْرؤون القرآن لا يجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ ؛ يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ (حديدة السهم) فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ ، ثم يُنْظَرُ إلى رِصَافِهِ (مدخل النصل من السهم) فلا يُوجدُ فيه شيءٌ ، ثم يُنْظَرُ إلى نَضِيِّهِ فلا يُوجَدُ فيه شيءٌ ـ وهو القدح ـ ثم ينظر إلى قُذَذِهِ ـ ريش السهم ـ فلا يوجد فيه شيءٌ ،سبق الفَرْثَ والدم ، آيَتُهُم رجلٌ أسودُ إحدى عَضُدَيْهِ مثلُ ثَدي المرأة ، أو مثلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ ، يَخْرُجُون على حِينِ فُرْقَةٍ من الناس].

قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فوجد ، فأُتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت .

أما خروجهم على عليٍّ رضي الله عنه قال ابن الجوزي : فهذا أول خارجي خرج في الإسلام وآفته أنه رضي برأي نفسه ولو وقف لعلم أنه لا رأي فوق رأي رسول الله ، وأتباع هذا الرجل هم الذين قاتلوا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وذلك أنه لما طالت الحرب بين معاوية وعلي رضي الله عنهما رفع أصحاب معاوية المصاحف ودعوا أصحاب علي إلى ما فيها وقال : تبعثون منكم رجلا ونبعث منا رجلا ثم نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله عز وجل ، فقال الناس قد رضينا فبعثوا عمرو بن العاص فقال أصحاب علي : ابعث أبا موسى ، فقال عليّ : لا أرى أن أولي أبا موسى هذا ابن عباس قالوا لا نريد رجلا منك فبعث أبا موسى وأخر القضاء إلى رمضان فقال عروة بن أذينة : تحكمون في أمر الله الرجال لا حكيم إلا الله ورجع عليّ من صفين فدخل الكوفة ولم تدخل معه الخوارج فأتوا حروراء فنزل بها منهم اثنا عشر ألفا وقالوا لا حكم إلا لله ، وكان ذلك أول ظهورهم ، ونادى مناديهم أن أمير القتال شبيب بن ربعي التميمي وأمير الصلاة عبد الله بن الكوا اليشكري ، وكانت الخوارج تتعبد إلا أن اعتقادهم أنهم أعلم من عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه وهذا مرض صعب.

قال عبد الله بن عباس (حبر الأمة) إنه لما إعتزلت الخوارج دخلوا دارًا وهم ستة آلاف وأجمعوا على أن يخرجوا على علي بن أبي طالب ، فكان لا يزال يجيء إنسان فيقول يا أمير المؤمنين إن القوم خارجون عليك فيقول دعوهم فإني لا أقاتلهم حتى يقاتلوني وسوف يفعلون ، فلما كان ذات يوم أتيته صلاة الظهر فقلت له يا أمير المؤمنين أبرد بالصلاة لعلي أدخل على هؤلاء القوم فأكلمهم فقال إني أخاف عليك فقلت كلا ، وكنت رجلا حسن الخلق لا أوذي أحدا ، فأذن لي فلبست حلة من أحسن ما يكون من اليمن وترجلت فدخلت عليهم نصف النهار فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا : جباههم قرحة من السجود ، وأياديهم كأنها ثفن الإبل ، وعليهم قمص مرحضة ، مشمرين ، مسهمة وجوههم من السهر فسلمت عليهم فقالوا مرحبا بابن عباس ما جاء بك ؟ فقلت : أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صهر رسول الله وعليهم نزل القرآن وهم أعلم بتأويله منكم فقالت طائفة منهم لا تخاصموا قريشا فإن الله عز وجل يقول : (بل هم قوم خصمون) فقال اثنان أو ثلاثة لنكلمنه فقلت : هاتوا ما نقمتم على صهر رسول الله والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن وليس فيكم منهم أحد وهم أعلم بتأويله قالوا: ثلاثا، قلت: هاتوا قالوا: أما أحداهن فانه حكم الرجال في أمر الله وقد قال الله عز وجل : (إن الحكم إلا لله) فما شأن الرجال والحكم بعد قول الله عز وجل ؟ فقلت : هذه واحدة، وماذا؟ قالوا: وأما الثانية: فإنه قاتل وقتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كانوا مؤمنين فلم حل لنا قتالهم وقتلهم ولم يحل لنا سبيهم؟ قلت : وما الثالثة ؟ قالوا فإنه محا عن نفسه أمير المؤمنين فإنه إن لم يكن أمير المؤمنين فإنه لأمير الكافرين قلت : هل عندكم غير هذا؟ قالوا: كفانا هذا .

قلت لهم: أما قولكم حكَّم الرجال في أمر الله .. أنا أقرأ عليكم في كتاب الله ما ينقض هذا فإذا نقض قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم ، قلت: فإن الله قد صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب وتلى هذه الآية: (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) إلى آخر الآية، وفي المرأة وزوجها: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها) إلى آخر الآية، فنشدتكم بالله هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم وفي حقن دمائهم أفضل أم حكمهم في أرنب وبضع امرأة فأيهما ترون أفضل ؟ قالوا : بل هذه. قلت خرجت من هذه؟ قالوا نعم .

قلت : وأما قولكم قاتل ولم يسب ولم يغنم .. فتسبون أمكم عائشة رضي الله تعالى عنها؟!! فوالله لئن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام، ووالله لئن قلتم لنسبينها ونستحل منها ما نستحل من غيرها لقد خرجتم من الإسلام، فأنتم بين ضلالتين لأن الله عز وجل " قال النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم " أخرجت من هذه ؟ قالوا : نعم .

قلت : وأما قولكم محا عن نفسه أمير المؤمنين.. فأنا آيتكم بمن ترضون: إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين -أبا سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو- فقال لعلي رضي الله عنه: اكتب لهم كتابا.. فكتب لهم عليٌّ : هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله فقال المشركون: والله ما نعلم أنك رسول الله لو نعلم انك رسول الله ما قاتلناك. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اللهم إنك تعلم أني رسول الله امح يا علي هذا واكتب هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله . فوالله لرسول الله خير من علي وقد محا نفسه.. قال فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فقتلوا .

واجتمعت الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي إيثارها عناء آثر عند من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق فاخرجوا بنا، ولقي الخوارج في طريقهم عبد الله بن خباب فقالوا: هل سمعت من أبيك حديثا يحدثه عن رسول الله تحدثناه؟ قال نعم سمعت أبي يحدث عن رسول الله أنه ذكر فتنة القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي فإن أدركت ذلك فكن عبد الله المقتول . قالوا: أنت سمعت هذا من أبيك تحدثه عن رسول الله قال نعم.. فقدموه إلى شفير النهر فضربوا عنقه فسال دمه كأنه شراك نعل، وبقروا بطن أم ولده عما في بطنها وكانت حبلى، ونزلوا تحت نخل مواقير (بنهروان) فسقطت رطبة فأخذها أحدهم فقذف بها في فيه، فقال أحدهم: أخذتها بغير حدها وبغير ثمنها فلفظها من فيه ، واخترط أحدهم سيفه فأخذ يهزه فمر به خنزير لأهل الذمة فضربه به يجربه فيه فقالوا: هذا فساد في الأرض فلقي صاحب الخنزير فأرضاه في ثمنه.

فلما عاث الخوارج في الأرض فسادا ، وقتلوا عبد الله بن خباب وزوجته بعث إليهم عليّ رضي الله عنه أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله ، فناداهم ثلاثا كل ذلك يقولون هذا القول فعند ذلك قال علي رضي الله عنه لأصحابه دونكم القوم فما لبثوا أن قتلوهم .

وقد روى ذلك الإمام مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن وهب الجهني: أنه كان في الجيش الذين كانوا مع عليٍّ رضي الله عنه ـ الذين ساروا إلى الخوارج ـ فقال عليٍّ رضي الله عنه : أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [يَخرج قومٌ من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيءٍ، ولا صلاتُكُم إلى صلاتهم بشيءٍ، ولا صيامُكُم إلى صيامهم بشيءٍ، يقرؤون القرآن ويحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا تُجاوِز صلاتهم تَرَاقِيهم ـ المراد عدم انتفاعهم بالعبادة ـ يَمْرُقون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهم من الرَّميَّةِ، لو يعلم الجيش الذين يُصيبُونهم ما قُضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم لاتَّكَلُوا عن العمل، وآيةُ ذلك أن فيهم رجلاً له عضدٌ وليس له ذراعٌ ، على رأس عَضده مثل حلمة الثدي عليه شعراتٌ بيضٌ] فتذهَبُون إلى معاوية وأهل الشام وتترُكون هؤلاء يخلُفُونكم في ذرارِيكُم وأموالكم؟ والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم ، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام ، وأغارُوا في سَرْحِ الناس ـ أي الأنعام التي ترعى ومن يرعاها - فسيروا على اسم الله "(صحيح مسلم).

قال سلمة بن كهيل (أحد رواة الحديث) : فنزَّلني زيد بن وهب منزلاً حتى قال : فمررنا على قنطرة ، فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي ، فقال لهم : ألقوا الرماح وسلّوا سيوفكم من جفونها ، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراءَ ، فرجعوا فوحشوا برماحهم ـ رموا بها عن بعد ـ وسلوّا السيوف ، وشجرهم الناس برماحهم ـ أي طعنوهم ـ قال : وقتل بعضهم على بعض ، وما أُصيب من الناس يومئذ إلا رجلان ، فقال عليٍّ رضي الله عنه : التمسوا فيهم المُخدَج ـ الذي تقدم وصفه بأنه له عضد وليس له ذراع ـ فالتمسوه فلم يجدوه ، فقام عليٍّ بنفسه حتى أتى أُناسـًا قد قتل بعضهم على بعض ، قال : أخروهم ، فوجدوه مما يلي الأرض ، فكبر ثم قال : صدق الله وبلغ رسوله ، قال : فقام إليه عبيدة السلماني فقال : يا أمير المؤمنين ، آلله الذي لا إله إلاّ هو ، لسمعتَ هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ، فقال : أي والله لا إله إلا هو ، حتى استحلفه ثلاثـًا وهو يحلف له .

أما قتلهم للإمام علي رضي الله عنه :فقد اجتمع عبد الرحمن بن ملجم بأصحابه وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم وقالوا: والله ما قنعنا بالبقاء في الدنيا شيء بعد إخواننا الذين كانوا لا يخافون في الله لومة لائم فلوا أنا شرينا أنفسنا لله والتمسنا غير هؤلاء الأئمة الضلال فثأرنا بهم لإخواننا وأرحنا منهم العباد ، وانتدب ثلاثة نفر من الخوارج عبد الرحمن بن ملجم، والبرك بن عبد الله، وعمرو ابن بكر التميمي فاجتمعوا بمكة وتعاهدوا وتعاقدوا لنقتلن هؤلاء الثلاثة (عليا) و(معاوية) و(عمرو بن العاص) ونريح العباد منهم، فقال ابن ملجم: أنا لكم بعلي ، وقال البرك: أنا لكم بمعاوية ، وقال عمر: وأنا لكم بعمرو فتواثقوا ألاّ ينقض رجل منهم رجلا عن صاحبه .

فقدم ابن ملجم الكوفة فلما كانت الليلة التي عزم على قتل عليٍّ رضي الله عنه فيها خرج علي رضي الله عنه لصلاة الصبح فضربه فأصاب جبهته إلى قرنه ووصل إلى دماغه فقال علي رضي الله عنه لا يفوتنكم الرجل فأخذ ، فقالت أم كلثوم : يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين .

فلما مات علي رضي الله عنه أخرج ابن ملجم ليقتل فقطع عبد الله بن جعفر يديه ورجليه فلم يجزع ولم يتكلم فسمل في عينيه بمسمار محمى فلم يجزع فجعل يقرأ :{اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق} حتى ختمها وإن عينيه لتسيلان، فعولج على قطع لسانه فجزع فقيل له لم تجزع؟ فقال أكره أن أكون في الدنيا مواتا لا أذكر الله.. وكان رجلا أسمر في جبهته من أثر السجود .

حرصت من إسهابي في عرضي السابق لتاريخ نشأة (الخوارج) ومسمياتهم، وطبيعتهم تدينهم الربط بين خوارج وقتنا الحالي الذين يرفعون شعارات كلها دينية يفادون بها أرواحهم واعز ما يملك الإنسان فهذا (ابن ملجم) حتى أثناء تنفيذ عبد الله بن جعفر للقصاص فيه كان يقرأ القرآن فالواحد منا كما ذكر الحديث الشريف يَحْقِرُ صلاتـهُ مع صلاتهم وصِيامَهُ مع صيامهم ، يقْرؤون القرآن لا يجاوزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُون من الإسلام كما يَمْرُقُ السَّهْمُ من الرَّمِيَّةِ،وهذا ماحمله مشروع (ابن لادن) الأممي. لذا لا أتفق مع إطلاق تسميتهم بالإرهابيين كما يدعوا لذلك (جورج بوش) والغرب بعمومه ،كما أدعوا إلى العودة والاستفادة من تاريخنا الإسلامي في معالجة ظاهرتهم والعمل على عودتهم إلى صوابهم ورشدهم بكافة الطرق الأنسب من ترغيبية أو ترهيبية.

وللحديث بقية..

تركي بن بندر

20 يناير 2006

ولاة أمر تجب طاعتهم أم أمراء سفهاء يجب استبدالهم





الأحد، 8 أبريل 2012

السعودية : وعودة الخوارج 1-3




لم يكن غزو (الكويت) من قبل (العراق) بالأمر الهين والعابر على كافة الأصعدة والمستويات ، كما كانت آثاره وتداعياته ولازالت تطال شعوب المنطقة ، وأنظمتها السياسية حتى هذه اللحظة ، فالمزاج الشعبي العربي العام تغير وتأثر منذ ذلك الوقت ، وما حدث ويحدث في (العراق) حالياً مجرد حلقة في ذلك المسلسل ، كما أن انعكاساته أثرت على القضية الفلسطينية سلباً على كافة مفاصلها.

وحيث أن الحديث في هذا الموضوع متشعب، ويطول ، سأحاول التركيز في هذه الدراسة على انعكاساته فيما يخص الشأن السعودي إن كان على مستوى الحكومة أو الشعب، وما تلاها من أحداث وتطورات في الأعوام الأخيرة على المستوى الأمني.

في البدء يلاحظ المتتبع للخطاب السياسي والإعلامي السعودي منذ عام (1991م) أي بعد تحرير الكويت وحتى سقوط بغداد (إبريل2003) عدم قدرة القائمين عليه إبراز مسألة في غاية الأهمية ألا وهي أنه لا توجد خلافات تاريخية بين السعودية و (العراق) على أرض أو أراض وما يظن أنها أطماع (تركيا وإيران مثلاً) ، ولا أهداف سياسية (كالهاشميين في الأردن حكام العراق الملكي ، والمصريين من بوابة التنافس الزعامي للأمة العربية، والبعثيين في سوريا من زاوية الخلاف الأيديولوجي) بمعنى عدم إبراز أن جوهر الخلاف والمشكل وحقيقته يكمن في الغزو العراقي الغاشم للكويت كدولة عربية وخليجية واحتلالها، وتهديد أمن وحدود المملكة والمنطقة الشرقية تحديداً- التمركز الأضخم لحقول النفط ومشاريع الصناعات البتر وكيميائية ـ عبر حشد النظام العراقي للقوات العراقية عام (1991م) على الحدود السعودية ذلك النظام الغادر للجارة (الكويت) التي لم تبخل عليه بشيء مدة حربه مع (إيران) مثلما كانت المملكة العربية السعودية بإتجاه دعمه في تلك الحرب التي لم يشاورهم بها، والتي شنها إرضاء لأمريكا وخدمة لأغراضها الانتقامية من الثورة الخمينية التي طردت الوجود الأمريكي الكثيف في (إيران) فترة حكم (الشاه) ، تلك الثورة التي قامت باحتجاز أعضاء السفارة الأمريكية في (طهران) مما أسقط الحكم الديمقراطي في أمريكا حيث أخذت تترنح حكومة الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) وفقدت شعبيتها لإخفاقها في معالجة هذه الأزمة مع النظام الثوري الإيراني.

لقد وجدت حكومة المملكة العربية السعودية أنها أمام خيار واحد فرض عليها مبني على أساس العمل على تحقيق سلامة أراضيها وأمن شعبها الذي يثق بها ويعيش تحت كنف حكمها وكما هي العبارة الميكافيلية المنقوشة على السيف الذي أهدي لـ إيمولا «ليست المحافظة على الدول بالكلام» كان لابد على المؤسسة الحاكمة في السعودية اتخاذ قرار استدعاء قوات التحالف الدولي على أراضيها وحشدها أمام قوات نظام غادر قطع الوعود لزعماء عرب بعدم غزو الكويت وعلى رأسهم الرئيس المصري (محمد حسني مبارك) وأرسل وفداً برئاسة نائبه لمدينة (جدة) السعودية بعد ضغوطات من الملك فهد (يرحمه الله) في محاولة لنزع فتيل الأزمة وحدتها عبر التفاوض مع الكويتيين في محاولة مخلصة وصادقة النية من قبل الملك (فهد بن عبد العزيز آل سعود) ـ رحمه الله ـ من أجل سلامة الجارتين وعدم تطور الأمور إلى ما هو أسوء بينهما. لكن النظام العراقي الغادر كان يسعى لذر الرماد في العيون بإرسال وفد للمفاوضات بينما في حقيقته كان في المراحل النهائية من وضع خططه الحربية الهجومية على (الكويت).

من هنا أقول إن القائمين على الخطاب الإعلامي والسياسي (الداخلي) السعودي قبل (الخارجي) لم يكونوا مستعدين لحدث بهذا الحجم المهول والضخم، ولم تكن لديهم الخبرة والتجربة أو حتى مجرد الاستعداد. لذا لم يقوموا بضخ الجرعات الكافية للأسباب المنطقية، والمبررات التي فرضها ذلك الغزو العراقي في استدعاء القوات الأجنبية وجلبها إلى السعودية، وأنا أتحدث هنا على المستوى المحلي ناهيك عن المستويين العربي والإسلامي فقد تبنى التيار الديني - أحد أبرز ركائز المجتمع السعودي وسماته - نظرية المؤامرة من قبل الأمريكيين في استخدام غزو العراق للدخول إلى المنطقة واحتلالها بشكل غير مباشر ،مما شكل لاحقاً العنوان الأبرز في أيديولوجية تنظيم القاعدة في المملكة ألا وهو «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» - أي تلك القوات - واعتبر الشعار والهدف المعلن لعمليات تنظيم «القاعدة».

بمعنى أن الخطاب الديني السعودي المسيس أشعل الشارع على مرأى ومسمع الحكومة بوجود مؤامرة عالمية كبرى تقودها أمريكا للبقاء على الأراضي السعودية، والسيطرة على منابع النفط في الخليج عبر البقاء في المنطقة فقد كانت أبرز طروحات هذا التيار الذي أستخدم الكتب والمحاضرات الدينية المسجلة على أشرطة الكاسيت للتسويق لقناعاته المطلقة بالمؤامرة مستشهداً بأنه حدث تدريب للقوات الأمريكية في صحراء (لاس فيغاس ـ نيفادا) في عام (1982م) استعداداً لعمليات عسكرية حقيقية بذات مواصفات بيئة صحراء (لاس فيغاس) سوف تقام في منطقة ما من العالم وغير ذلك من قصص وإستشهادات كانت ذات أثر كبير في ذهنية الجماهير السعودية أكثر بكثير من أي خطاب رسمي حكومي تجاهل الرأي العام الشعبي لينقسم الشارع السعودي إلى قسمين تجاه قرار الحكومة باستدعاء قوات التحالف الدولي على أراضيها،ومن هنا بدأ التحول الفكري في موقف العديد من جماعات الشباب المتدينين،وكذلك المجاهدين السعوديين العائدين من أفغانستان في رؤيتهم وموقفهم من الدولة.
للحديث بقية .

تركي بن بندر
6 يناير 2006

السبت، 7 أبريل 2012

رداً على أهل النميمة والسفهاء

هذه بعض الاثباتات لمن يدعي بأن حقي أو حق والدتي -يرحمها الله- لا وجود له أو أنني إما مطرود أو هارب وغير معترف بما أطالب به والحمدلله الذي عافاني مما أبتلي به كثير من خلقه وفضلني تفضيلا .







الجمعة، 6 أبريل 2012

ديدن التكريم


قال تعالى :
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا

  عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة إنني أعلم بأنكم تنتظرون الجزء الثاني من قصة (عندما يختزل الفكر) إلا أنني رأيت حلماً في منامي حيث طالبني أخي الأمير محمد بن بندر يرحمه الله وطلب مني الوفاء للناس والكتابة عنهم وتقديم مشاكلهم وما كان مني إلا السمع والطاعة لذلك قررت أن أكتب لكم اليوم عن موضوع مهم وحساس ألا وهو (التكريم) وسأقدم بقية أجزاء القصة بإذن الله عز وجل في العدد القادم .

(عندما يخدم الإنسان وطنه من خلال عمله أو منصبة أو حتى بدون عمل رسمي فإنه يستحق التكريم مهما كان عمله أو مهنته فأي عمل يقدمه الإنسان يعتبر لبنة من لبنات البناء في هذا الوطن ولكن التكريم الذي أقصده يختلف عن التكريم المعمول به أو المنتشر هذه الأيام والذي لا يتجاوز صفحات الجرائد وشهادة مذهبة ودرع في بعض الأحيان)

  سرعان ما تطوي صفحة من صفحات حياته ليدخل بعدها غياهب الحاجة والنسيان وخاصة إذا كان المنزل إجار وهذا شيء طبيعي عندما نعلم أن أقل من 20% من المواطنين هم من يملكون منازل أما البقية فيسكنون في بيوت أجار وهنا اتساءل عن قيمة تلك الشهادة والتكريم أمام واقع قاسي الأسعار فيه ترتفع والأيام تبدو أشد قسوة من السابق لذلك لا بد من إعادة صياغة مفهوم التكريم وتجاوز الشهادات والاحتفالات إلى تقديم حلول جذرية لمشاكل المواطن حيث التكريم الأكبر والأبرز هو حل مشاكله وتلبية احتياجاته وقد يكون من قدم اقتراح التكريم ومن يقوم بالتكريم حديث عهد بالعمل ولا يملك المقومات الفكرية والنظرة الاستراتيجية بل قد يحضر وهو لا يعلم إلا أنه سيقف يقدم بعض الشهادات فقط .
  من جانب آخر فإن ما نشاهد هذه الأيام من تكريم لبعض فئات المجتمع المجحفة في حقه والتي سعت لتدمير وزعزعة الأمن والآمان ويتم سجنهم ومناصحتهم وعندما يعودوا إلى رشدهم تتم مكافآتهم وشراء منازل لهم ومساعدتهم في الزواج وحل لمشاكلهم الأخرى وهذا التصرف الغريب يدفع العديد من الشباب المعدمين والمحتاجين إلى اعتناق مثل هذه الأفكار أو الانضمام لبعض الجماعات المعارضة لكي يحضى بهذا التكريم المميز والذي لم يجده رجال الأمن الذي ماتوا في سبيل هذا الوطن وتركوا ابنائهم في بيوت مستأجرة الله وحدة يعلم بحاجتهم وتفاصيل حياتهم .
  بل أن هناك الكثير من الضباط في جميع القطاعات بدون استثناء يصلون إلى سن التقاعد وهم لم يستطيعوا شراء منزل في ظل هذا الغلاء الفاحش والأسعار المرتفعة مع أننا دولة مترامية الأطراف الأراضي البيضاء تشكل نسبة كبيرة من مساحتها ولكن وبكل أسف تذهب هذه الأراضي إلى أشخاص معينين تحت مسميات المنح وهذه مشكلة حقيقية تقف عائقاً في مسيرة التنمية والأمثل في ذلك كثيرة نذكر منها على سبيل المثال مشروع سكة الحديد والذي رصدت له ميزانية بناء على الدراسات والعروض المقدمة من الشركات إلا أن قيمة التعويضات عن الأراضي التي سيمر من خلالها المشروع أضعاف الميزانية ولا أعلم كيف أشترى هؤلاء أراضي تقع في أعماق الصحراء ليطالبوا بتعويض بملايين الريالات وهل تلك الأراضي تستحق هذه الأسعار والأرقام ..؟
وبمنطق التكريم والحاجة والعدالة أتسال هل تعويض بعض الأشخاص بمبالغ غير منطقية هو تكريم لهم إما لمكانة ما كعرق سامي لاينتمي لأهل الكرة الآرضية او دم أزرق أوأختراع قاموا به يفوق ماأخترعه العلماء الآخرون ببلادهم مثلاً ام انهم احق من غيرهم واعلى مستوى .... ؟ وهل تقديم شهادة بمقاس A4 ودرع لاتتجاوز قيمته المئة وعشرة ريالات وصورة مقاس 4X4 في صحيفة هو في الحقيقة تكريم لهم أم شهادة للمكرم نفسه بأنه يقدر هؤلاء ويسعى لاحتضانهم وأسعادهم فقط أمام عدسات الكاميرات وغيرها من وسائل الإعلام فبلادنا لتتحمل الانتخابات وهذا ليس رائيي او قولي بل تصريح وقول أغلب سياسيها ومسئوليها فهم يروون أن الشعب ببلادنا لازال قليلي الوعي والفهم والدليل على قبوله كلمة (مت .. قاعد) أمام رتبته العسكرية او المدنية التي قد تتجاوز بكثير من ألاحيان رتبة اللواء او الممتازة ..؟

  بعدها يقف أمام عائلته خالي الوفاض وقد يشاهد عائلته تتسابق إلى رغيف قد يبس أو يشاهد حسرات زوجته وأبناءه وهم يطلبون ما لا يقوى على شراءه مما يضطره إلى طلب المساعدة وقد يكون تسولاً من نوع أكثر حياء، أو يصطف على ابواب الجمعيات الخيرية ذات الأنظمة الغريبة والإجراءات البيروقراطية التي لم تتغير منذ عقود ومع ذلك تستمر حياته وحياة أبناءه ولا يملك لهم إلا مجموعة من الذكريات معلقة على جدران المنزل المستأجر أو الشقة أو قد تكون بدار العجزة !
  وتفاصيل حياته التي قضى جزء كبير منها في خدمة هذا الوطن ويخشى أن يسمع السؤال الذي لا يقوى على إجابته ماذا قدمت للوطن ..أو.. وطنك وطنك وش تقدر تعطيه ..؟ دعاية نشاهدها وأغنية وطنية تحمس كثير من أبناء بلادنا الحبيبة في كل قنواتنا العامة والخاصة ..وأظنهم وبعد رؤية آباءهم وأمهاتهم وعدم قدرتهم الشخصية على إيجار العمل المناسب أو لعدم اقتناعهم بالانخراط بالخدمة مع القطاع العام فهم رددوا أغنية جديدة عنوانها ..
وطني وطني كيف كافئتني
آبائي وأجدادي .. سالت دموعهم مع دمائهم ..
وسكنوا الخلاء .. ودفنوا مع الخيلاء ..
في ذاكرة النسيان .. على مر الأزمان
وطني نظر للبعيد .. وتخلى عني وأنا قريب ..
وطني وجد بأصحاب الأبواق .. ضالته المنشودة .. وناصح العصاة البغاة
وأدار ظهره للمحبين .. بحث عن الأحرار .. وترك السباك .. والنجار
نصب الخونة والقادرين .. وقتل من أمرضهم حبه والحنين ..
ألا يا وطن هل لك من قرار .. أم أنا اليوم المعارض الفجار ..
وطني .. وطني وماذا أعطيه ..
إذا كان بالواقع يرفضني فيه ..!77!

  سؤال يصم الآذان ويدمي القلوب وخاصة عندما نشاهد صاحب منصب كان في الأصل معارضا أو ذو شعبية كان يدعو إلى محاربة الحكومة ومن يخدمهم أو نشاهد مكافأة من كان يعد المتفجرات في شوارعنا هذا ويبنى له بيتاً وتعويضاً عن ما هدمه من بيوت ..! لأنه عاد للصواب كما لا انسى إعلامنا المبجل مقابلة المفحط التائب والداعية المعتزل العائد والمتعاطي والمروج الراشد ..! ويتناسون المكافح والمنضبط المحب المبدع العفيف السائق المثالي لأنهم قليلي تجربة لا يفهمون ولا يعون ..؟ فهل يجب أن ارتكب خطأ ثم أتراجع عنه حتى يعرف المسئولون أنني على صواب ألا يمكن أن تكافئني وأنا على صواب عشت وخدمت وبذلك كل ما في وسعي لخدمة وطني والآن أحصل على ورقة لا أستطيع أن أشتري البرواز لها ..!!
  عزيزي القارئ عزيزتي القارئة أنا لا أتحدث عن موضوع شخصي بل أنني أتحدث عن آلاف المتقاعدين (موتو قاعدين) واحتياجاتهم أتحدث بأسمائهم وأرفع معاناتهم ليس بدافع المعارضة كما يروج البعض عني فأنا رجل خدمت وطني منذ كنت صغيراً وعملت في أكثر القطاعات مشقة وقدمت كل ما لدي وعندما غادرت ذلك المكان استمريت في خدمة هذا الوطن وما زلت كذلك فأنا شريك في البناء ولا يهمني من يطلق علي الشائعات ويتهمني بالمعارضة وخاصة عندما بدأت الكتابة عن القضايا التي تهم المجتمع بكل صدق وصراحة وشفافية ودعوني أسألكم من يقف ضد الوطن ومن يقسوا على الوطن أكثر .. من يقوم بمناقشة القضية وتحديد الخطأ وطرح الحلول أم من يقوم بالتشهير بأفراد المجتمع وينشر كل ما يشير إلى ضعف أداء الأجهزة الحكومية تصفحوا الجرائد الحكومية والخاصة ولا حظوا تلك العناوين الجارحة والتي تؤلمني كثيراً أنها تتحدث عن جرائم وممارسات وأحداث تقودنا إلى تصور واقع أسود اللون مجهول المعالم، اترك الجواب لكم وأضيف عليه تساؤل آخر وهو لماذا عندما أكتب أو أتحدث عن موضوع معين أو أطرح قضية ما اتهم بالقسوة على المجتمع ولكن سرعان ما أجدها في وسائل الإعلام بأسماء وبطرق متعددة وتكون لطيفة على الوطن من ألسنتهم وأقلامهم .!! أما قلمي سيفا ولساني ناراً حارقة أو بأختصار قد يكون بالنسبة لهؤلاء مطلقي الإشاعة (إبليساً جديداً لأنني لست فاسدا لهم مطبقاً لما يحبون أو يفرضوه على الآخرين مغيراً للحقائق ومطبلاً لرموزهم ..؟؟!!) ومع ذلك قد قلت في مقال سابق بأنه لا يهمني الاقتباس من مقالاتي إذا كان دافعه البناء وستوظف لبناء الوطن .
  إخواني أخواتي إن قضية التكريم قضية هامة وحساسة فالمكافأة مطلب اجتماعي ويصب في تنمية المجتمعات والأفراد ويحقق العدالة والمساواة بينهم فعندما يقدم الإنسان عملاً خيراً يكافأ عليه وهذه قاعدة لا غبار عليها فعندما يعمل الإنسان حسنة يكافأ بعشرة امثالها وقد كافأ الله العديد من الأنبياء بمعجزات وكرامات كما كافأ الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة، وهذا دأب الصحابة من بعدة صلى الله عليه وسلم ولا يمكن أن نتجاهل هذه القاعدة أو نتخلى عنها وخاصة مكافأة من ساهموا بشكل كبير في تأسيس وتوحيد هذه البلاد ممن حاربوا وقادوا القبائل وشاركوا في مسيرة التأسيس وتنازلوا عن حقوقهم من أجل الهدف الأسمى وهو الاستمرارية في التأسيس وبناء الدولة وكان من الأجدر منحهم حقوقهم فضلاً عن مكافأتهم كما تكرم الوالد القائد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بتكريم أبناء الملك سعود ببداية عهدة وتكريم شهداء الواجب في حرب 67م بمنحهم أراضي بعد معاناة 27 عام فهل سنرى تكريم المؤسسين والمهادنين والمعاهدين عن قريب نأمل ذلك إن شاء الله .
  أعزائي القراء أحبتي وسر إبداعي لا تشطحوا ولا تتشتتوا قفوا معي لحظات خذوا نفساً عميقاً وأغمضوا أعينكم بلطف وأتركوا كل ما بأيديكم وأريحوا كل عضلاتكم وبعد الإحساس بالهدوء لا تدعوا لفكركم أن يهفو في الدون (وأقصد هنا كل تفكير دوني أو غير سوي) وتذكروا قدر ومقدار كل خلقه المؤمنين والمسلمين بوجوده وأبدأو معي لنختصر على الكثيرين التأويل والبحث عن نوافذ تسليهم حسب استشمامهم للخبر كما هو يعيشه في داخله لا كما يراه ويعيه، التكريم وضع مستمد من اسم أكرم الأكرمين ألا وهو الله الرب القادر المقتدر الرازق الكريم الذي لا نحمد سواه على كل ما قسمه الله لنا سواءً كان خيراً كبيراً أو بلاءً عظيماً فالحمد لله رب العالمين والعالمين فا الله إن اعطى خيراً فهو منه وإن كتب على أحدنا شراً أو بلاءً فهو منا ونتجية لتهاوننا وأخطائنا فلا تنشدوا وراء تحليلات الأقلام المطبلة أو مع الأقلام المتغطرسة أو الحاقدة أو الحاسدة لكل من يستحق التكريم دون استجداء أو واسطة أو بشرائها بماله أو جاهة أو سلطته أو نفوذه أو مكانة أو منصب أو كرسي يلبسه صاحبه ليرفعه أو جمال فتان أو قبيلة أو أسرة أو سرير أو شهادة أو لقب أو احتساب زائف أو خلط لإرضاء سيد خلق مثلنا أو .. أو .. أو وقد لا تنتهي الـ"أو" .
  ولن استبق فكركم انظروا معي ما هو أكبر أنواع التكريم بالكرة الأرضية أليست هي جائزة المدعو نوبل ..؟ أليس هناك المئات بل قد تكون آلاف من الجوائز المحفزة بأسماء الكثيرين وغيرهم يبحث عن الوسيلة والطريقة للحصول على وسام أو وشاح أو جائزة نوبل للسلام العالمي ويقال هذا تكريم من وجهة نظر هيئة الأمم المتحدة ولا أعلم لما لم يكرم من أبدع وأختار هذا الأسم الفذ لها .
  والذي لم أرى في حياتي أصدق منه تعبيراً وفعلاً مما نراه اليوم من أتحادهم لإعادة زمن سيدنا نوح ولا نعلم من أختير ليركب أول سفينة فضاء الأم وينجو من وضعه على لائحة المغضوب عليهم من أوصياء الله في أرضه أو من باقي المعتقدات والمسميات الأخرى أعتذر لك عزيزي القارئ لأني أعلم علم اليقين بأن كلامي ومقالي وإبداعي كله مسروق ومكرر (وأعني بمسروق بأن مسلوب من دواخلنا منذ زمن بعيد) وكل مسعور أو متعطش للتشفي من قلمي وفكري ممن عريتهم أمامكم لم أكن أنا من قام بتعرية هؤلاء الفاسدين ولم أكن يوماً طرفاً ولن أكون ما حييت طرفاً لملاحقة أحد في خصوصياته (منهم من عروا أنفسهم بأفعالهم وتفكيرهم الغير سوي) أو حياته أو عائلته أو قبيلته أو مؤسسته أو أو ولكني لن أقف كانسان حر متربي وأنا أرى أحد كائن من يكون يمس بلادي ووطني وأبناء وطني وأمتي وجميع الطيبين بسوء وأقف متفرجاً كما أود أن أذكر بأنني لا أستحق التكريم ولا أبحث عنه ولا أريده لا من قريب ولا بعيد ويعلم الله لو منحت لي آلاف الشهادات والأوسمة والوشاحات وغيرها من الجوائز المادية والعينية سيكون ردي وعن قناعة برفضها جميعاً وعلى رأسها جائزة المدعو السيد نوبل وهذا ليس زهد أو تواضع أو اكتفاء او استعلاء بل لقناعتي بأن التكريم لا يستحق سوى إبن وطن يعيش على رغيف خبز وقد يكون مبيت أو غير صالح للأكل يتقاسمه مع أبناءه وبناته الخمس بين جدرانه الطينية المتشققة يسمعون من خلالها صفير الهواء ويلبسون ثياباً بالية بالكاد تغطي أجسادهم النحلية وعوراتهم، ويتلحفون بأجساد بعضهم البعض لا يمدون أيديهم لا بالسر ولا العلن على وإلى غيرهم من المخلوقات إلا لخالقهم رب السموات والأرض ولا يأكلون إلا ما قسمه الخالق جل وعلا ويناجونه آناء الليل وأطراف النهار بأن يديم الصحة والعافية لهم وإذا مرضوا تداووا بالقرآن وببعض الماء المتوفر المسخن والذي حصلوا عليه بطريقة قد لا يكون ماء صالح حتى للحيوانات والميكروبات ككمادات، صنعت من بقايا الجوارب البالية الممزقة حسب الحاجة للبارد أو الحار وكلهم أمل بعد أن أكرم الله هذه البلاد كرماً خاصاً .. أن ينزل الرحمة في قلوب سادتها الحافظين لها الحريصين عليها والمسئولين عنها أمام خالقهم مباشرة بعيداً عن بطانتهم وأقول هنا (اللهم لا نسألك اليوم إصلاح بطانة أي قادر بقدرتك فاسدة ولكننا نسألك بجلالك وعزتك وقوتك وجبروتك أن تزيل برحمتك كل فاسد حاسد نجساً حاقد هو وبطانته وأن تعز عبدك الفقير الذاكر بغير مجاهرة المحب لغيره من غير مكابرة إنك سميع مجيب) إلى هنا سأقف وأصر على ما ذكرت فكل مقالاتي مسروقة ومستعارة وملعونة إن لم تخدم هذه البشرية ومختزلة عما يدور في نفوسكم النقية الطاهرة السوية .

حفيد الجدين
15/01/2008