الأحد، 8 أبريل، 2012

السعودية : وعودة الخوارج 1-3




لم يكن غزو (الكويت) من قبل (العراق) بالأمر الهين والعابر على كافة الأصعدة والمستويات ، كما كانت آثاره وتداعياته ولازالت تطال شعوب المنطقة ، وأنظمتها السياسية حتى هذه اللحظة ، فالمزاج الشعبي العربي العام تغير وتأثر منذ ذلك الوقت ، وما حدث ويحدث في (العراق) حالياً مجرد حلقة في ذلك المسلسل ، كما أن انعكاساته أثرت على القضية الفلسطينية سلباً على كافة مفاصلها.

وحيث أن الحديث في هذا الموضوع متشعب، ويطول ، سأحاول التركيز في هذه الدراسة على انعكاساته فيما يخص الشأن السعودي إن كان على مستوى الحكومة أو الشعب، وما تلاها من أحداث وتطورات في الأعوام الأخيرة على المستوى الأمني.

في البدء يلاحظ المتتبع للخطاب السياسي والإعلامي السعودي منذ عام (1991م) أي بعد تحرير الكويت وحتى سقوط بغداد (إبريل2003) عدم قدرة القائمين عليه إبراز مسألة في غاية الأهمية ألا وهي أنه لا توجد خلافات تاريخية بين السعودية و (العراق) على أرض أو أراض وما يظن أنها أطماع (تركيا وإيران مثلاً) ، ولا أهداف سياسية (كالهاشميين في الأردن حكام العراق الملكي ، والمصريين من بوابة التنافس الزعامي للأمة العربية، والبعثيين في سوريا من زاوية الخلاف الأيديولوجي) بمعنى عدم إبراز أن جوهر الخلاف والمشكل وحقيقته يكمن في الغزو العراقي الغاشم للكويت كدولة عربية وخليجية واحتلالها، وتهديد أمن وحدود المملكة والمنطقة الشرقية تحديداً- التمركز الأضخم لحقول النفط ومشاريع الصناعات البتر وكيميائية ـ عبر حشد النظام العراقي للقوات العراقية عام (1991م) على الحدود السعودية ذلك النظام الغادر للجارة (الكويت) التي لم تبخل عليه بشيء مدة حربه مع (إيران) مثلما كانت المملكة العربية السعودية بإتجاه دعمه في تلك الحرب التي لم يشاورهم بها، والتي شنها إرضاء لأمريكا وخدمة لأغراضها الانتقامية من الثورة الخمينية التي طردت الوجود الأمريكي الكثيف في (إيران) فترة حكم (الشاه) ، تلك الثورة التي قامت باحتجاز أعضاء السفارة الأمريكية في (طهران) مما أسقط الحكم الديمقراطي في أمريكا حيث أخذت تترنح حكومة الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) وفقدت شعبيتها لإخفاقها في معالجة هذه الأزمة مع النظام الثوري الإيراني.

لقد وجدت حكومة المملكة العربية السعودية أنها أمام خيار واحد فرض عليها مبني على أساس العمل على تحقيق سلامة أراضيها وأمن شعبها الذي يثق بها ويعيش تحت كنف حكمها وكما هي العبارة الميكافيلية المنقوشة على السيف الذي أهدي لـ إيمولا «ليست المحافظة على الدول بالكلام» كان لابد على المؤسسة الحاكمة في السعودية اتخاذ قرار استدعاء قوات التحالف الدولي على أراضيها وحشدها أمام قوات نظام غادر قطع الوعود لزعماء عرب بعدم غزو الكويت وعلى رأسهم الرئيس المصري (محمد حسني مبارك) وأرسل وفداً برئاسة نائبه لمدينة (جدة) السعودية بعد ضغوطات من الملك فهد (يرحمه الله) في محاولة لنزع فتيل الأزمة وحدتها عبر التفاوض مع الكويتيين في محاولة مخلصة وصادقة النية من قبل الملك (فهد بن عبد العزيز آل سعود) ـ رحمه الله ـ من أجل سلامة الجارتين وعدم تطور الأمور إلى ما هو أسوء بينهما. لكن النظام العراقي الغادر كان يسعى لذر الرماد في العيون بإرسال وفد للمفاوضات بينما في حقيقته كان في المراحل النهائية من وضع خططه الحربية الهجومية على (الكويت).

من هنا أقول إن القائمين على الخطاب الإعلامي والسياسي (الداخلي) السعودي قبل (الخارجي) لم يكونوا مستعدين لحدث بهذا الحجم المهول والضخم، ولم تكن لديهم الخبرة والتجربة أو حتى مجرد الاستعداد. لذا لم يقوموا بضخ الجرعات الكافية للأسباب المنطقية، والمبررات التي فرضها ذلك الغزو العراقي في استدعاء القوات الأجنبية وجلبها إلى السعودية، وأنا أتحدث هنا على المستوى المحلي ناهيك عن المستويين العربي والإسلامي فقد تبنى التيار الديني - أحد أبرز ركائز المجتمع السعودي وسماته - نظرية المؤامرة من قبل الأمريكيين في استخدام غزو العراق للدخول إلى المنطقة واحتلالها بشكل غير مباشر ،مما شكل لاحقاً العنوان الأبرز في أيديولوجية تنظيم القاعدة في المملكة ألا وهو «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» - أي تلك القوات - واعتبر الشعار والهدف المعلن لعمليات تنظيم «القاعدة».

بمعنى أن الخطاب الديني السعودي المسيس أشعل الشارع على مرأى ومسمع الحكومة بوجود مؤامرة عالمية كبرى تقودها أمريكا للبقاء على الأراضي السعودية، والسيطرة على منابع النفط في الخليج عبر البقاء في المنطقة فقد كانت أبرز طروحات هذا التيار الذي أستخدم الكتب والمحاضرات الدينية المسجلة على أشرطة الكاسيت للتسويق لقناعاته المطلقة بالمؤامرة مستشهداً بأنه حدث تدريب للقوات الأمريكية في صحراء (لاس فيغاس ـ نيفادا) في عام (1982م) استعداداً لعمليات عسكرية حقيقية بذات مواصفات بيئة صحراء (لاس فيغاس) سوف تقام في منطقة ما من العالم وغير ذلك من قصص وإستشهادات كانت ذات أثر كبير في ذهنية الجماهير السعودية أكثر بكثير من أي خطاب رسمي حكومي تجاهل الرأي العام الشعبي لينقسم الشارع السعودي إلى قسمين تجاه قرار الحكومة باستدعاء قوات التحالف الدولي على أراضيها،ومن هنا بدأ التحول الفكري في موقف العديد من جماعات الشباب المتدينين،وكذلك المجاهدين السعوديين العائدين من أفغانستان في رؤيتهم وموقفهم من الدولة.
للحديث بقية .

تركي بن بندر
6 يناير 2006

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق