الجمعة، 10 فبراير، 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف 4


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
4-5
23 ديسمبر 2005

  تناولت في الحلقات الثلاث السابقة عدة أمور أهمها أن عمل (الحسبة) أي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من أعظم المهام الجليلة والعظيمة التي يقوم بها الإنسان المسلم المؤمن وأن هذا العمل ارتبط أصلاً بـ(الرسل) فالدعوة إلى الله ودينه ليست أمراً مطلقاً يفعله كل من شاء بل إن لها "شروطاً" و "ضوابط" لا بد من تحققها و "صفات" يتحتم توافرها في الداعية لكي يحقق الهدف السامي الذي يصبو إليه . لا بد لي أن استعرضها في سياق سلسلة مقالات هذه لنقارنها جميعاً بمدى ما هو واقع على الأرض ومعمول به من قبل الجهات المعنية في انتقائية رجال الحسبة واختيارهم لهذا العمل؟ وما مدى التزام من يمثل الدعوة في عصرنا الحالي بضوابط وشروط ممارسة مهمة الرسل صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين ؟ على النحو التالي :
أولاً : أن يكون "المحتسب" مسلماً لأن الحسبة تهدف إلى إصلاح الناس وحماية الدين ولا يقوم بهذا إلا مؤمن بالدين وأن يكون المحتسب عاقلاً يميز بين الخير والشر، والحلال والحرام وأن يكون عادلاً يعمل بما يأمر الناس به ويدعوهم إليه، وينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر عارفاً عالماً بالمعروف الذي يدعو إليه والمنكر الذي ينهى عنه لأنه إذا لم يكن عارفاً بهما لا يؤمن أن يأمر بمنكر وينهى عن معروف حيث قال تعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ. يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) الآية 116 سورة النحل .

ثانياً : يجب على الداعي بالمعروف أن يكون بصيراً بالأمور وعواقبها فيعرف ما قد يترتب على أمره ونهية بحيث يعرف موقع ما يقوم به هل يؤدي أمره ونهية إلى منكر أكبر فيحجم فيدرأ السيئة الكبرى بالسكوت عن الصغرى فلا ينهى عن شرب خمر وهو يعلم أن نهية هذا سيؤول إلى قتل نفس معصومة مثلاُ، وقد استدل العلماء في ذلك بقول الله تعالى (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم) الآية 109 سورة الأنعام .

ثالثاً : يتطلب الأمر كذلك أن يكون (المحتسب) على علم بحال المدعوين  وأعرافهم ونفسياتهم وتقاليدهم وعاداتهم بحيث يأتيهم من المدخل الذي يسهل انصياعهم لدعوته وعدم نفرتهم منه وهذا مهم جداً لكل داع إلى خير ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" وهي الإبل النفيسة. فالجاهل بأحو المدعوين لا يؤمن أن يحصل له عكس ما قصد وربما نشأت عن دعوته مفاسد كبيرة تضر بالإسلام والمسلمين .

رابعاً : ينبغي على الداعية أن يكون طويل البال واسع الصدر لا يتسرع بالإجابة وله في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة فإنه لما خرج من الطائف بعدما آذته ثقيف ولم يستجيبوا لدعوته بل ورموه بالحجارة حتى أدموا عقبيه فأتاه "ملك الجبال" وقال له إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أعمل بأمرك أتريد أن أطبق عليهم الأخشبين (الجبلين العظيمين) فقال عليه الصلاة والسلام : لا لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئاً .

خامساً : يجب على الداعية أن يتدرج في "أمره" و "نهية" بحسب حال من يدعوهم ويجعل نفسه بمثابه الطبيب مع المريض الذي قد يؤجل العلاج عنه فترة ثم إذا كان مهيئاً بدأ بعلاجه ولكن على جرعات قد تمتد أياماً وليالي وقد تستمر شهوراً بل قد تمتد سنين طويلة بحسب المرض والداعية البارع يقدر حال المدعوين إذا قد يكتفي في البداية بالأتصال بهم ومخالطتهم وإيناسهم وإذا ما رأى أن الفرصة سانحة بدأ شيئاً فشيئاً وأن يبدأ بالأهم قبل المهم ويأمر بالأركان قبل الواجبات وبالواجبات قبل المندوبات وينهى عن الموبقات من الكبائر قبل المحرمات الدنيا وهكذا وقد علم هذا من منهجه صلى الله عليه وسلم فقد مكث في مكة زهاء ثلاثة عشر سنة وهو يدعو إلى التوحيد ومكة تمارس فيها صنوف المعاصي .

سادساً : يستدعي (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أن يكون القائم بهما رفيقاً حليماً متسامحاً وأن يتجنب "العنف" لأن العنف لا جدوى منه بل هو ضار وكثيراً ما يأتي بأوخم العواقب لا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه المتعلمون والمثقفون الذي يحتم المدخل إليهم التعامل معهم بالحوار الهاديء الرقيق بعيداً عن القسوة والحدة حتى لا ينفروا أو ينأوا بأنفسهم عن الخير وصدق الله في قوله (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) الآية 159 سورة آل عمران .

سابعاً : نشير هنا إلى ضرورة أن يتحلى الداعية بالصبر وتحمل ما قد يلاقيه من العنت والتعب ويعلم أنه قد يؤذي بالكلمة أو بالإشارة ولذلك لا بد له من الصبر أما من يتحمل هذه المسؤولية ثم تحدث له فتنة إذا أوذي أو أسيء إليه فيثور ويقوم بالأنتقام من خلال السلطة التي يتمتع بها كرجل حسبة فهذا ليس مرشحاً لهذه المهمة ويجب عليه أن يأخذ بقوله تعالى (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) الآية 3 سورة العصر .

ثامناً : يجب على الداعية أن يدفعه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) دافع الإخلاص لدينه والإصلاح للمجتمع بعيداً عن المطامع الدنيوية وبهذا الأسلوب سيسدد بإذن الله ويوفق وسيعدل في الناس فلا يعامل أحداً بشراسة وعنف، وقهر وقوة بل يتعامل مع الآخرين باللين والسهولة و التسامح ونحذر في هذا المجال من صاحب الطمع المادي الذي ربما يجره طمعة ليقول : إن هذا المنكر معروف ويبرر للعاصي معصيته ويكون ذلك من المصائب الكبرى التي تحدث في المجمتع .
  وعلى الداعية المخلص أن يحتسب أجره على الله وأن يسهر ويتعب ويتواضع للخلق ويرحمهم ويبذل ما يستطيع لإيصال كلمة الحق إلى المحرومين منها وأن يأخذ بمبدأ القدوة الحسنة : فالقدوة الحسنة قد تؤثر في النفس أكثر الأحيان أكثر من الكلمة ولذا لا بد من أن يكون ملتزماً في نفسه كما قال الله تعالى عن شعيب (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ) الآية 88 سورة هود . بل إن الله عز وجل ذم الذين تخالف أفعالهم أقوالهم في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) الآية 2 سورة الصف .

تاسعا : ينبغي أن يكون الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر على جانب من الدين والخلق والصفات الجميلة الأفعال الحميدة وأن يكون بعيداً عن التشدد والتكلف وأن يتصف بما يأمر به بعيداً عما ينهى عنه . وأن يكون عمله تحت ضوابط وشروط وتحت قيادة ذات خبرة ومعرفة في هذا المجال مع التنبيه إلى عدم "اندفاعهم" و "تحمسهم" على وجه يترتب عليه مضار ومفاسد تشوه وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام : من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضضعف الإيمان" .
  فيشرح العلماء هذا الحديث إلى أن "الدرجة الأولى" هي مهمة الولاة والمسؤولين أي الإمام (إمام المسلمين) ومن ينوب عنه في هذا الباب وقضية التغيير باليد يسبقها (الإعلام والتوجيه والتوعية) إذا لا يؤخد الناس على غرر وعلى جهل ولا بد من دراسة سبب المنكر ثم معالجته بالتوجيه و النصيحة أولاً ثم بالعفو ثانياً إلا في ما لا يعذر فيه كسرقة مثلاُ أو زنى أو شرب خمر وغير ذلك من المنكرات المعروفة من الدين بالضرورة فهذه عندما يقارفها شخ في بلد إسلامي يطبق عليه الحد وهذا شأن ولاة الأمر .
أما "الدرجة الثانية " فهي للعلماء" وطلبة العلم والدعاة والعارفين بالأحكام الشرعية فهؤلاء لهم الحق أن يبينوا حكم الله ولكن بالأساليب المرغبة كل على قدر عقله وفهمه فإذا خاطبنا عالماً بدين من الأديان لا يكون وزنه كالجاهل ولعل قصة (معاذ) رضي الله عنه عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال له : إنك ستأتي قوماً أهل كتاب يعني تهيأ لهم بالإجابة عن تساؤلاتهم ومناقشتهم فيهم سيناقشونك عن علم بالكتاب فإذا لم تكن مؤهلاً فلا يجوز لك أن تدخل معهم في حوال ولهذا قال تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) الآية 64 سورة آل عمران .
  وهذه المرحلة هي مهمة أناس معينين وليست الغوغائيين ولا الجاهلين ولا العابثين أو منتهزي القرص إذ قد يدخل في هذا الباب بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من له أغراض سيئة في المجتمع يريد إثارة الشبهات أو تفكيك الأمة وتمزيقها من الداخل أو التحريض بين الناس وإثارة العصبيات والمذهبيات أو من ليس لديه القدرة على بيان الحقيقة فيسيء إلى الدين أكثر مما يحسن .
أما "المرحلة الأخيرة" فهي الإنكار بالقلب وهذا لكل مسلم ومسلمة فإن لم تكن مسؤولاً تنفيذياً أو عالماً شرعياً وترى أن هذا حرام بحكم فطرتك السليمة وبحكم ما تسمعه من الموجيهن والمعلمين فموقفك هنا موقف المتألم قلبياً والقصد منه هو إعتقاد حرمة هذا الحرام وإعتقاد عدم مشروعيته فإن رأيت ارتكاباً للمنوع ضاق صدرك وتألمت وظهرت  الإنكار عليك فهذا من دلائل الإيمان .
  وهذه الدرجات الثلاث تجعل الأمة كلها مشتركة في شعيرة الحسبة لكن كل على حسب قدرته وقال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) الآية 16 سورة التغابن .
  فعمل اليد ليس عمل كل واحد من الناس يتصدى لذلك حسب هواه وإنما هي لا تتأتي إلى ممن وضعت بيده هذه المسئولية وهؤلاء لهم حق الإتلاف أو الضرب أو التأنيب أما عامة الناس وطلبة العلم فليس من حقهم أن يسارعوا إلى ذلك إذا لم يؤذن لهم فيه من قبل السلطة القائمة على أمر الدين لأنه في حال وقوع ذلك يحدث شر وفتنة وفوضى في المجتمع .
  وإن أمر "الحسبة" وهو فرض كفاية يرى العلماء الدول التي لا تهتم بهذا الأمر لا تجند له أشخاصاً أو تأذن لهم بأن يكون فقط بالكلمة والنصيحة التي تلقى في وسائل الإعلام والمناهج التعليمية وفي الأندية وغيرها في تلك المجتمعات فإن القدوة الطيبة التي تتمثل بحسن السلوك والسمعة والمعاملة الحسنة ستكون خير داعية إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
  مما سبق .. لا شك أن العديد من الأسئلة ستقفز إلى ذهن القارئ أياً كان هذا القارئ ومنها على سبيل المثال لا الحصر : أين القائمون على عمل الدعوة والممارسون للحسبة في يومنا هذا من هذه الشروط وتلك الضوابط ؟ وكيف يحاسب الدعويون عما مضى ووقع وما يقع وما قد يقع في المستقبل من قبل موظفيهم العاملين معهم في هذا الحقل من أخطاء أو حتى تقصير نتيجة عدم مراعاة هذه الضوابط وتلك الشروط ؟ ثم هل يجوز لنا المقارنة بين ما هو معروف عن عمل "الحسبة" و "المحتسبين" وهم من زهدوا في هذه الدنيا تقرباً وتحسباً لما عند الله أولئك الذين احتسبوا أجرهم عند الله في (عدوتهم للناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) فهؤلاء موظفون لهم مناصبهم ومراتبهم الوظيفية وترقياتهم يتسلم كل فرد منهم راتباً آخر كل شهر من الدولة ويعملون على سيارات حكومية تصرف لهم نفقة محروقاتها أي أنه موظف حكومي كأي موظف في إدارات الدولة ووزاراتها عليه أن يكون مؤهلاً للوظيفة وملتزماً بشروطها وحريصاً على تحقيق أهدافها إذا هو قصر أو أخطأ يعاقب وإذا أحسن يكافأ ؟ ما الذي يهدف إليه القائمون على الهيئة من هذا التجاهل والإهمال أو الإخلال بهذه الضوابط والشروط من قبل السواد الأعظم من العاملين في هذا الحقل "الحساس" الذي يمثل واجهة الإسلام وصورته وأسس تعامل أعظم دين وخير أمة مع البشرية جمعاء بكافة أطيافها وصورها وألوانها ؟ من المسؤول عن أخطاء هؤلاء العاملين أو حتى تقصيرهم ؟
  لأن أخطاءهم أو تقصيرهم يمس كيان أمة وصورة دين قويم ..لأن أخطاءهم هدية ثمينة وفرصة للمتربصين بهذا الدين وجائزة لأولئك المغرضين ..لأن أخطاءهم من الصعب أن لم يكن من المحال إصلاحها لأنها أخطاء مع البشر وليست مع الحجر أو الشجر ليست أخطاء وزارة في إيصال خدمة أو مقال في مبنى ..هي أخطاء تحتلف عن باقي الأخطاء لأنها بحق ديننا الذي هو عمال حياتنا وأساس وجودنا وسبب بقائنا على هذه الدنيا الفانية وسعينا فيها .
  والسؤال الأعظم الذي يحرقني ويؤرقني هو :
  إذا اتفقنا أن الخطأ شيء طبيعي حدوثه لمن يعمل وينتج إلا أنه من غير الطبيعي أن تتكرر الأخطاء ذاتها وبنفس الصورة والصيغة والمشهد .. فلماذا لا يستفاد من دروس حدوثها ؟ ولماذا تتكرر بشكل دائم ومستمر ؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق