السبت، 11 فبراير، 2012

عمل الحسبة.. والخروج عن الغايات والأهداف 5-5 "الجزء الأول"


عمل الحسبة
والخروج عن الغايات والأهداف
5-5
 30 ديسمبر 2005

  يطرح البعض تساؤلاً منطقياً يقول : لماذا يكثر الحديث عن أخطاء وتقصير (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) في مجتمعنا بينما هناك أخطاء لوزارات : الكهرباء والاتصالات والمواصلات والبلديات ..وغيرها حتى داخل غرف عمليات مستشفيات وزارة الصحة وغيرها من المستشفيات الخاصة حيث تزهق أرواح وتحدث وفيات على يد الأطباء والجراحين ؟
  إن إجابتي عن هذا السؤال تقول من حيث المبدأ نتفق جميعاً على رفض حدوث الأخطاء في الأداء وعدم القبول بالتقصير في العمل أياً كان نوعه ومستواه وأهميته من قبل أي موظف في أية وزارة أو إدارة أو هيئة حكومية وأنه لا يحق لأي موظف كائن من كان تجاوز النظام أو أن يكون فوق القانون بل أن الجميع سواسية وتحت القانون في المساءلة والمحاسبة وضرورة العقاب على التقصير والخطأ .
  مما سبق يتفق الجميع معي أن الطبيب والجراح الذي يخطيء في غرفة العمليات أو يقصر وإن كانت نيته سليمة وهدفه سام (إنقاذ حياة المريض) إلا أنه قصر أو أهمل أو أخطأ أثناء العملية ليموت المريض بين يديه يجب أن يحاسب و "يعاقب" بعد أن يمثل أمام القضاء المختص وتشكل له لجنة على الفور وهذا ما يحدث في وزارة الصحة حالياً حيث يتخذ بحقه العقاب المناسب واللازم إن ثبت تقصيره وخطأه أما إذا ثبت تكرار الخطأ أو التقصير أو حتى الإهمال يوقف وتسحب منه رخصة مزاولة المهنة مع العلم أن المريض جاء إليه بمحض رغبته واختياره أو باختيار أهله وذوية المخلصين له، كما أن المريض قبل بالعملية ووقع على نسبة فشلها إن كانت تلك النسبة كبيرة أو قليلة لكن حدوث الخطأ أو التقصير أو الإهمال لا يعفيه من المحاسبة ونيل العقاب المناسب بغض النظر عن نبل وسمو نية الجراح الطبيب وقصده .
  على ضوء ما سبق وموقفنا كأفراد أو المجتمع بكامله من معاقبة ومحاسبة المهمل أو المقصر أو المخطئ أو المتجاوز من قبل الدولة مهما كان نبل وسمو هدفه ودرجة حماسه وحيث إن (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) هيئة رسمية حكومية والعاملون بها موظفون مثلهم مثل باقي موظفي الدولة لهم مناصبهم ومراتبهم ومسمياتهم الوظيفية وترقياتهم ويتسلم كل فرد منهم راتباً آخر كل شهر من الدولة ويعملون على سيارات حكومية تصرف لهم نفقة محروقاتها، كما أننا نعتقد أن تعيينهم في الهيئة جاء بناءً على التراضي بين الطرفين كما جاء بناء على شروط ومواصفات مسبقة وضعت كشرط للتوظيف كالمؤهلات العلمية وشهادات حسن السيرة والسلوك وغير ذلك من الشروط، وأن هذا الموظف يفترض به كباقي موظفي الدولة أن يكون ملتزماً بأداء عمله حسب الضوابط التي تخدم المصلحة العامة كما أن الموظف حريص على تحقيق أهداف الهيئة مثله مثل باقي موظفي الدولة إذا هو أهمل أو تجاوز أو قصر أو أخطأ، وأن يحاسب ويعاقب حتى ولو كانت نيته أيضاً نبيلة وسامية وإلا لماذا نطالب أن تعاقب الدولة الطبيب والجراح الذي أخطأ وهو من جاءه المريض إلى عيادته ولا نطالب الدولة أن تعاقب وتحاسب منتسب الهيئة إذا تجاوز أحدهم أو أخطأ أيضاً ؟! لا بل خطأ أو إهمال أو تقصير أو تجاوزات موظفي (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) أعظم بالنسبة لي من خطأ الطبيب أو الجراح لأن خطأهم أو تقصيرهم كما سبق وأن ذكرت في الحلقة السابقة يمس صورة الأمة الإسلامية بكاملها وليس فرداً واحداً كما يمس صورة دين قويم وأن في هذه الأخطاء هدية ثمينة وفرصة للمتربصين بهذا الدين وأعدائه وجائزة لأولئك المغرضين والحاقدين حتى على الدولة إن أخطاء الدعاة أياً كانوا تختلف عن باقي الأخطاء لأنها بحق ديننا الذي هو عماد حياتنا وأساس وجودنا وسبب بقائنا على هذه الدنيا وليس خطأ في سفلته شارع أو تأخر في رصفه أو إنارته من قبل بلديه .
  من هنا أستغرب محاولة الألتفاف وخلق نوع من الأزدواجية في الدولة وقوانينها فالحملات التكفيرية الشرسة والهجوم والويل والثبور لمن يقف ويصرخ حرصاً وخوفاً وإخلاصاً وغيره على دينه كما هو دين أولئك الآمرين بالمعروف حين يقال لهم : لماذا الخطأ ؟ ولماذا التكرار في حدوث نفس حالات التجاوز أو التقصير التي أساءت لديننا؟ من المسؤول عن تلك الأخطاء وتحمل تكرارها؟ ولماذا لا تشكل لجنة مختصة حتى يحاكم ويحاسب ويعاقب منتسبو الهيئة إذا ثبت منهم خطأ أو تقصير أو إهمال كما أن هذا الشيء مطبق على بقية المسلمين من أبناء الدولة وموظفيها الآخرين؟ لماذا موظفو الهيئة يرفضون المحاسبة والعقاب ويربطون بين من يطالب بتطبيق ذلك عليهم بالتعدي على الدين وعلى الله والرسول صلى الله عليه وسلم ويكيلون له شتى أنواع التهم؟ أين أصحاب الرأي والحكمة والعقل الراجح من كبار علمائنا للتدخل والتصحيح لإيقاف أفعال تشويهية لصورة الإسلام؟
  كما أنني اتفق من حيث المبدأ على أن القائمين على أداء رسالة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) معرضون كغيرهم من الوقوع في الأخطاء لأن الخطأ ليس مقتصراً على أهل الدعوة فقط وإنما على جميع الناس وكافة العاملين في جميع القطاعات وأصعدة المسؤوليات وهذا ليس دفاعاً عنهم إنما هي طبيعة البشر وسنة كونية ولكن مالا أفهمه وأدركة أن تتكرر نفس الأخطاء وتزداد إلى درجة كبيرة دون رادع .
  من هنا أجد أنه من الطبيعي أن تصبح الهيئة وأخطاء منتسبيها على لسان كل الناس وأن هذا الأمر يتطلب الوقوف والتنبه له من قبل الدولة، لقد أوردت إحدى الصحف المحلية مؤخراً تعرض مواطن وزوجته لأعتداء من رجلين في (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ومعهم – وللأسف – رجل أمن وقاموا بضربه وزوجته بدعوى الاشتباه بهما بينما كانا أمام شقتهما في حي (النزهة) شمال الرياض .
  فمثل هذه الحادثة وغيرها من الحوادث المماثلة الكثيرة للأسف والتجاوزات العديدة لا تصب في مصلحة الدولة ومؤسساتها مما يستدعي الوقوف عندها بكل جدية وحزم لتدارك الموقف حتى لا تتكرر مثل هذه الأعمال التي تسيء إليها فالهيئة في نهاية المطاف إدارة حكومية مسؤولة عنها الدولة كما أن الدين الإسلامي بريء من تصرفات هؤلاء وسلوكياتهم فقد دعا إلى الرفق والرحمة وحسن الخلق في التعامل فكيف بنا إذا قام الذين يناط بهم نصرة هذا الدين وتوجيه الناس إلى الرشد بارتكاب مثل هذه الأخطاء الفادحة دون محاسبة ومعاقبة ؟!
  عند قراءتي لتلك الحادثة التي أوردتها الصحيفة تأكد لي تماماً ضرورة الوقوف والمراجعة واتخاذ موقف واضح ووضع حد لمثل هذه التجاوزات التي تمس استقرار المجتمع وكيانه فالعرض والشرف أثمن وأعز مما يدافع عنه المرء ويموت في سبيله شهيداً، لذا لا بد من موقف يقول للجميع أنكم في دولة القانون وأن لا أحد فوق القانون، كما لا بد من إيقاف حملات مواقع الإنترنت والمنتديات التشويهية للصحيفة والقائمين عليها بإقفال هذه المواقع ومعاقبة أصحابها ومعاقبة من يكتبون فيها مثل تلك الإساءات التي تخلق روح العداء بين أفراد المجتمع .
  وما أن هدأت هذه القصة حتى فاجأتنا جريدة (الرياض) في عددها رقم (13698) وتاريخ (23/11/1426هـ) بأغرب منطق سمعته أو قرأته في حياتي، منطق احتقاري واستخفافي بالآخرين والمقصود بالآخرين هنا هم "سعوديون مسلمون" يقول : المواطن (ع.ن.ع) بينما كنت أسير وحدي في شارع (صفوان التميمي) بحي منفوحة الساعة التاسعة والنصف مساءً وإذا بثلاثة رجال يهجمون علي من الخلف حيث قاموا بضربي ضرباً مبرحاً ومزقوا ملابسي واقتادوني إلى سيارة مدنية وأركبوني بالقوة "وأنا في حالة ضعف وهوان من شدة ما تعرضت له من ضرب أمام أعين الناس. وبعد أن أبرز بطاقة الأحوال (هويته) وأثناء معاينتها من قبلهم قالوا بكل أسف لم تكن أنت الرجل المطلوب لدينا ونحن نعتذر إليك ونرجوا أن تقبل اعتذارنا عن هذا الخطأ.
  والسؤال الذي يفرض نفسه علينا : هل وصلت العبثية والفوضى والتعدي على الآخرين بالاعتداء عليهم حتى وإن كانو متلبسين بالجرم المشهود إلى هذا الحد؟ أليس المتهم المدان لهم حقوق لدى أقسام الشرطة سعت وزارة الداخلية لسنها وتثبيتها لدى كافة الجهات المعنية؟ أليس في هذا التصرف ضرب الحائط بكافة أعراف وقوانين الدولة ..لا بل حتى قوانين الله وتعاليم دينه وما أنزل في سنة نبيه التي اساؤوا لها بهذا التصرف المشين؟ أليس المتهم بريء حتى تثبت إدانته فما بالنا إذا كان شخص يسير في أمان الله وحده في الشارع؟ أليس في ذلك إرهاب للمواطنين الآمنين وإرعابهم وتخويفهم؟ ثم أليس إرهابهم هذا شبيه بإرهاب أصحاب القنابل وإطلاق الرصاص على الآخرين لأن لهم رصاصاً من نوع آخر أكثر فتكاً من الرصاص التقليدي؟ هل يعتقد من قام بهذا الهجوم والضرب المبرح وسحب الآخرين على وجوههم في الشارع أمام أعين الناس أنهم ليسوا بشراً وأنه لا كرامة لهم، ولا قيمة؟ وأي اعتذار يتحدثون عنه؟ لماذا لا يقدم من قام بهذا العمل المشين إلى القضاء لتتم محاكمته بصورة نظامية؟ ولكن هل سيتعاطف القضاة معهم أم مع الضحية؟ ولماذا لم نسمع منهم التزاماً بفتح تحقيق عاجل ومعاقبة من يثبت خطؤه وتقصيره؟ أليس المنطق يقول بتحمل المسؤولين في الهيئة جزءاً من هذا الذي يحدث على يد موظفيهم؟ ثم كيف يطالبون الضحية بقبول اعتذارهم ونسيان الخطأ معتبرين حسب ما ورد في خطاب اعتذارهم أن الخطأ من طبائع البشر ومنطقهم العملي يقول عكس ذلك ؟ هل هم بالفعل مؤمنون بأن تقصير الآخرين وأخطاءهم طبيعة بشرية؟ أليس في أسلوبهم هذا تعبير صارخ عن أن الأصل لديهم هو أن الناس كافة على خطأ وضلالة يجب معاقبتهم ومراقبتهم دون رحمة أو هوادة ؟
وأخيراً ..هل بالفعل لا ينقصهم سوى الدورات والتأهيل أم أن المسألة تدخل في منطق أكبر بكثير من الدورات ؟

يتبع ..والختام ..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق