الأربعاء، 11 أبريل، 2012

السعودية وأسباب عودة الخوراج 3-3




  في الحلقتين السابقتين أحببت التأكيد على مسائل أختلف فيها من طرح العديد من الأساتذة الباحثين والمراقبين المهتمين السعوديين والقادة الأمنيين القائمين على ملف الإرهاب وتنظيم القاعدة السعودي من ثلاث نواح : الأولى مسألة تهميش انعكاسات (غزو العراق للكويت) على الشارع الديني السعودي. فالتحول الجذري والصدام في المواقف بين المجاهدين العائدين من افغانستان والحكومة السعودية ومن ثم إطلاق شرارة العمليات وشرعنتها (من حيث المكان، الزمان، النوعية) كان منذ تلك الأيام فالكل يعرف تماماً أن غالبية المجاهدين السعوديين كانوا مقدرين للمملكة وقفتها مع أفغانستان في طرد الجيش السوفيتي الذي هو جيش للإلحاد العالمي إلا أن استدعاء قوات التحالف لتحرير الكويت ونزولها الأراضي السعودية استغل من قبل بعض الرموز واعتبر مقدمة للبقاء والهيمنة والاحتلال، كما أن قصف الصليبيين المسيحيين للعراق كبلد عربي مسلم وظف من قبل دول أيضاً لتأجيج المشاعر ليحدث التحول والتبدل في الموقف، إضافة إلى شحنة الأجواء الملوثة والمسمومة التي خلقتها ظروف الحرب النفسية بين الدول العربية، وهي حرب كان لها دور أكبر من الحرب العسكرية كانت قائمة بين وسائل إعلام دول (المع) ضد دول (الضد) والعكس صحيح. أما المسألة الثانية فقد وقع فيها إعلامنا السعودي، وحتى بعض كبار المسؤولين والمثقفين والمحللين المختصين وهي إطلاق مصطلح الإرهابيين على تلك الفئة من المجاهدين بينما المصطلح الأدق هو (الخوارج) لأن طبيعة منطلقاتهم وتوجهاتهم الفكرية وعقيدتهم وقناعاتهم التي تقول بالخروج على ولي الأمر وإجماع المسلمين مشابهة تماماً لما حدث عام (657م) عندما خرجت مجموعة من المسلمين على (علي بن أبي طالب) رضي الله عنه .. ومن هو (علي) ؟ إنه إبن عم الرسول صلى الله عليه وسلم وأحد المبشرين بالجنة، وأول فدائي بالإسلام، وقد كفروه وخرجوا عليه، وقتلوه فما بالنا نستغرب خروجهم اليوم على ولاة الأمر وجماعة السلف الصالح مع إطلاقهم لمشاريع تكفيرية على كل من يقف في طريقهم وتوجههم .
  أما المسألة الثالثة فتكمن في اختياري لعنوان (عودة الخوارج)، وذلك لأن المملكة منذ تأسيسها كانت لها عدة مواجهات، ففي عام (1912م) نشأت حركة الأخوان في منطقة الأرطاوية، وقاد الحركة الشيخ (عبدالكريم المغربي) فتحولت إلى قوة عسكرية تسلم قيادتها بعد ذلك (فيصل الدويش)، وكان الملك المؤسس (عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود) يسعى لإقامة دولة يفرض واقع المجتمع الدولي والصيغة الحديثة للدول أن تكون بذات المواصفات الحديثة للدولة، كأن تكون ذات حدود، وأن تنفتح وتستفيد من خبرات وتجارب الدول التي سبقتها، وتتواكب وتتعايش مع معطيات ومتطلبات العصر من انفتاح وتحديث وتمدن وتطوير يفرض الاستعانة بالشركات والمؤسسات الغربية، كما لا بد من قيام هذه الدولة على تحالفات دولية، فعارض الإخوان اتفاقية الحكومة السعودية مع شركة (سوكال "ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا") على أساس أنها ستؤدي إلى دخول غير المسلمين إلى الأراضي السعودية، فاستطاع الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود تجاوز تلك المعارضة حين واجه الجناح العسكري للإخوان في معركة (السبلة) في (29 مارس /آذار/ 1929م) فهزمهم في تلك المعركة المشهورة والتي لعب أخوه وعضيدة الأمير محمد بن عبدالرحمن آل سعود دوراً بارزاً فيها لينهزم الإخوان شر هزيمة، كما سبق وأن حدث صدام بينهم وبين الأمير محمد بن عبدالرحمن آل سعود –كما ورد في كتاب سيرة الامير محمد بن عبدالرحمن آل سعود- حين نزلوا في واد قرب الطائف استعداداً للهجوم على أهالي (مكة) وقد تصدى لهم الامير محمد المعروف بشجاعته واستبساله في القتال فتراجعوا خوفاً من مواجهته وردوا على أعقابهم خائبين دون إراقة دماء.
  وبعد ستين سنة من معركة (السبلة) جاءت المواجهة الثانية ضد حركة (جهيمان العتيبي) والتي يرى فيها المراقبون استمراراً لنهج التشدد. ففي (20 نوفمبر / تشرين الثاني (1979م) الموافق لليوم الأول من عام (1400) للهجرة اقتحم (جهيمان العتيبي) المسجد الحرام في صلاة الفجر وأعلن ظهور (المهدي المنتظر). وكان (جهيمان) عضواً سابقاً في الحرس الوطني السعودي، وخريج الجامعة الإسلامية بالمدينة. أما (المهدي) المنادى به، حسب المراجع السعودية، فكان (محمد بن عبدالله القحطاني) زوج أخت (جهيمان)، وبعد معركة شرسة قتلت القوات السعودية غالبية أتباع (جهيمان) واستسلم هو وأعدم بعد محاكمته، حيث كان يكفر الدولة ويتهمها بالخروج عن الدين وبذات التهم التي نسمعها من (خوارج) هذه الأيام .
  أما المواجهة الثالثة، فكما سبق وان ذكرت، شكلتها حرب الخليج الثانية عام (1990م) والتي كانت منعطفاً هاماً في تاريخ التيار الديني، حيث اعادت تشكيل التيار في السعودية، الذي كان للعديد من رموزه مواقف مناهضة بدرجات متفاوتة للدولة مما أضطر الدولة إلى توقيف العديد منهم . في تلك الأثناء كان الآلاف من السعوديين المشاركين في (الحرب الأفغانية) ضد (الاحتلال السوفياتي) قد اكتسبوا إضافة لمهارات القتال والتفجير مهارات فكرية دينية متشددة لعب الاختلاط بالجماعات الاسلامية هنالك والتأثر بها دوراً إضافياً في صياغة فكرهم الديني، كما شكلت مؤلفات (أبي محمد المقدسي) وهو (فلسطيني) عاش فترة في (الكويت) قبل أن يحل بـ(باكستان) و (أفغانستان) دوراً في ترسيخ الرؤى الفكرية لهؤلاء في السعودية.
  لقد كان هؤلاء (الأفغان السعوديون) تربطهم علاقة وطيدة مع (أسامة بن لادن) الذي كان له حضور كبير في وجدانهم بعد معركة (جلال آباد) التي أرغمت قيادته لها (الروس) على الانسحاب من (أفغانستان). وقد أسس ما أسماه هو ومعانوه بـ(سجل القاعدة) عام (1988م)، وهو عبارة عن قاعدة معلومات تشمل تفاصيل كاملة عن حركة العرب في أفغانستان قدوماً وذهاباً والتحاقاً بالجبهات، ومن هنا أطلق على التنظيم مسمى (القاعدة) أما فرع (تنظيم القاعدة السعودي) فقد بدأ الاستعداد لمعركته واجهته بعد حرب الخليج الثانية، وتحول موقفه بالخروج على الجماعة وولي الأمر، حيث بدأت عمليات سرية نشطة في تهريب الأسلحة والمتفجرات بكميات كبيرة جداً ومفزعة وجمعها وتوزيعها داخل المملكة، لقد كان يعمل ذلك التنظيم داخل الأراضي السعودية كخلية نحل في تجنيد الأتباع، وتوزيع الأدوار، والوظائف، والمسؤوليات، واختيار الاماكن والمجمعات المستهدفة ودراستها ووضع أفضل خطط اقتحامها، وبناء آمن طرق الاتصال والتواصل مع بعضهم داخل الشبكة، حتى آلية تسلسل قادة التنظيم تم وضعها والاستعداد لأسواء اللحظات والظروف.. كل ذلك كان يتم على يد أبناء جلدتنا حتى جاءت اللحظة المناسبة لينطلق (الخوارج) في حربهم التدميرية ضد كل من يخالفهم حكومة وشعباً .
  لهذا,, فقد عاشت وتعيش المملكة العربية السعودية على يد هؤلاء مرحلة فاصلة في تاريخها الثقافي والديني تتطلب وقفة حقيقية وصادقة من قبل جميع المسؤولين والأجهزة الامنية المعنية وكذلك من المؤسسات الفكرية والثقافية والدينية. والسؤال الذي يطل برأسه علينا اليوم ونحن ندخل العام الرابع : ماذا عملنا في معالجة فكر (الخوارج) والقضاء عليه؟ وهل أقفلنا بالفعل كافة منافذ تمويلهم ؟ وهل استفدنا من دروس المواجهات الأمنية معهم وطورنا قدراتنا في مواجهاتهم وأخذ زمام المبادرة ؟
  أما السؤال القادم والمقلق بالنسبة لي فهو : هل ستكون هناك مواجهة (رابعة) عند عودة هؤلاء (الخوارج) خصوصاً وأن هناك من يقاتل اليوم على الساحة العراقية ؟.

27 يناير 2006
تركي بن بندر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق